الشيخ محمد رشيد رضا

414

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

لا ينسى أو يغفل عن مراقبة ربه فيه واطلاعه عليه ، فاللفظ يذكره به تذكيرا منبها مؤثرا . وكذلك لفظ ( يعزب ) الدال على الخفاء والبعد معا ، فكأنه يقول إن ما شأنه أن يبعد ويخفى عليكم من أعمالكم لا يغيب عن علم ربكم فإنه لا يعزب عنه مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ اي أقل شيء يبلغ وزنه ثقل ذرة وهي النملة الصغيرة يضرب بها المثل في الصغر والخفة ، ويطلق على الدقيقة من الهماء وهو الغبار الذي لا يرى إلا في ضوء الشمس الداخل من الكوى إلى البيوت فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ أي في الوجود سفليه وعلوية ، وقدم ذكر الأرض لان الكلام مع أهلها ، وأخره في آية سبأ ( 34 : 3 ) وقدم السماء لأنها في سياق ثنائه تعالى على نفسه ووصفه بإحاطة علمه فناسب تقديم السماء لأنها أعظم فان فيها من الشموس وعوالمها ما يبعد بعضه عن بعض مسافة ألوف الألوف من السنين التي تقدر ابعادها بسرعة النور ، كما ثبت في علم هذا العصر وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ هذا كلام مستقل بنفسه قائم برأسه ، مؤكد لما قبله بتعبير أدق وأشمل ، و ( لا ) فيه نافية للجنس على قراءة الجمهور ، اي ولا شيء أصغر من الذرة وهو ما لا تبصرونه من دقائق الكون كما قال ( فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ وَما لا تُبْصِرُونَ ) ولا أكبر منها وإن عظم مقداره كعرشه عز وجل ، وقرأ حمزة ويعقوب أصغر بالرفع على الابتداء والخبر ، ولا يخفى توجيهه في الاعراب على أهله . قدم ذكر الأصغر لأنه هو الأهم في سياق العلم بالخفي ، وعطف عليه الأكبر لإفادة الإحاطة وكون الأكبر لا يكبر عليه كما أن الأصغر لا يعزب عنه إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ أي إلا وهو معلوم ومحصي عنده ومرقوم في كتاب عظيم الشأن تام البيان ، وهو الكتاب الذي كتب فيه مقادير الموجودات كلها إكمالا للنظام ، وقد بينا ما ورد في هذا الكتاب المبين في تفسير ( 6 : 59 وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ ) الآية من سورة الأنعام فراجعه في ( ص 457 و 469 ) من الجزء السادس من هذا التفسير . وفي الآية إشارة إلى ما في الوجود من أشياء لا تدركها الابصار ، وقد رؤي كثير منها في هذا العصر بالآلات التي تكبر المرئيات اضعافا كثيرة ، ولم يكن هذا مما يخطر في البال في عصر التنزيل ، فهو من دقائق تعبير القرآن ، التي تظهر حكمتها