الشيخ محمد رشيد رضا

39

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

( 1 ) انهم اتخذوه لمضارة المؤمنين أي محاولة إيقاع الضرر بهم ، وهم أهل مسجد قباء ( الذي بناه لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مقدمه من مكة مهاجرا وقبل وصوله إلى المدينة ) إذ بنوه بجواره مضادة لهم في الاجتماع للصلاة فيه ( 2 ) الكفر أو تقوية الكفر ، وتسهيل أعماله من فعل وترك ، كتمكين المنافقين من ترك الصلاة هنالك مع خفاء ذلك على المؤمنين لعدم اجتماعهم في مسجد واحد ، والتشاور بينهم في الكيد لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وغير ذلك ، قيل لا بد هنا من تقدير مضاف لان بناء المسجد نفسه ليس كفرا ، ولكن التعليلات الأربعة في الآية هي للقصد من البناء المعبر عنه بالاتخاذ ، والكفر يطلق على الاعتقاد وعلى العمل المنافيين للايمان ( 3 ) التفريق بين المؤمنين الذين هنا لك ، فإنهم كانوا يصلون جميعا في مسجد قباء ، وفي ذلك من مقاصد الاسلام الاجتماعية ما فيه ، وهو التعارف والتآلف والتعاون وجمع الكلمة ، ولذلك كان تكثير المساجد وتفريق الجماعة منافيا لمقاصد الاسلام ، ومن الواجب على المسلمين في كل بلد أن يصلوا الجمعة في مسجد واحد إذا تيسر ، فان تفرقوا عمدا وصلوا في عدة مساجد والحالة هذه كانوا خاطئين ، وذهب بعض الأئمة إلى أن الجمعة الصحيحة تكون حينئذ لأهل المسجد الذين سبقوا بالتجميع وهذا يدل على أن بناء المساجد لا يكون قربة مقبولة عند اللّه الا إذا كان بقدر حاجة المؤمنين المصلين ، وغير سبب لتفريق جماعتهم ، ومنه يعلم أن كثيرا من مساجد مصر القريب بعضها من بعض - وكذا أمثالها في الأمصار الأخرى - لم تبن لوجه اللّه تعالى ، بل كان الباعث على بنائها الرياء ، واتباع الأهواء ، من جهلة الامراء والأغنياء . ( 4 ) الارصاد لمن حارب اللّه ورسوله من قبل اتخاذ هذا المسجد ، أي الانتظار والترقب لمن حارب اللّه ورسوله أن يجيء محاربا ، فيجد مكانا مرصدا له ، وقوما راصدين مستعدين للحرب معه ، وهم هؤلاء المنافقون الذين بنوا هذا المسجد مرصدا لذلك . يقال : رصدته أي قعدت له على طريقه أترقبه ، وراصدته راقبته ،