الشيخ محمد رشيد رضا
406
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
والشفاء والهدى التي امتاز بها القرآن ، ورحمته ثمرتها التي فضلوا بها جميع الناس فكانوا أرحمهم ، بعد أن كانوا أعدلهم وأبرهم بهم ، فقد أمرهم هذا القرآن بالبر والعدل وإقامة القسط في المؤمن والكافر ، والبر والفاجر ، وأمرهم بالرحمة حتى في المحاربين لهم بقدر ما يدفع شرهم كما فصلناه في المقصد الثامن من مقاصد القرآن في مباحث الوحي ، ولولا مراعاة هذا التناسب لقلت ان المراد بفضله تعالى على هذه الأمة هو قوله تعالى ( 2 . 143 وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً ) الآية ، وقوله ( 3 . 11 كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ) الآية ولكن ما قلته يدخل في معناه ويوافقه ولكل مقام مقال والفرح كالسرور انفعال نفسي بنعمة حسية أو معنوية يلذ القلب ويشرح الصدر ، وضدهما الأسى والحزن ، وهما من الوجدان الطبيعي لا يمدحان ولا يذمان لذاتهما ، بل حكمهما حكم سببهما أو أثرهما في النفس والعمل ، خلافا لبعض الناس من الصوفية وغيرهم فيهما ، فقد أمر اللّه تعالى هنا بالفرح بفضله ورحمته ، ومدح المؤمنين بالفرح في قوله ( 30 : 4 وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ ) وهذا فرح بأمر ديني دنيوي ثم قال فيها ( 36 وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها ) وقال في أهل الكتاب الذين يؤمنون به صلّى اللّه عليه وسلّم ويهتدون بالقرآن ( 13 : 36 وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ ) الآية . وذم سبحانه الفرح بالباطل وفرح البطر والغرور بالمال ومتاع الدنيا وشهواتها في عدة آيات معروفة . وجعل الاعتدال بين الفرح والأسى والحزن من صفات المؤمنين فقال بعد ذكر تربيتهم بالمصائب المقدرة في كتاب اللّه ( 57 : 23 لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ ، وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ ) وتقدم تحقيق الكلام في الحزن في تفسير سورة براءة ( 10 : 240 ص 426 ج 10 تفسير ) والتعبير في الآية في غاية البلاغة لما فيها من التأكيد والمبالغة في التقرير ، فان أصل المعنى بدونهما : قل ليفرحوا بفضل اللّه وبرحمته ، فأخر الامر وقدم عليه متعلقه لإفادة الاختصاص كأنه قال إن كان في الدنيا شيء يستحق أن يفرح به فهو فضل اللّه ورحمته ، وأدخل عليه الفاء لإفادة معنى السببية فصار فبهما فليفرحوا دون