الشيخ محمد رشيد رضا
407
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ما يجمعون من متاع الدنيا المبين في آخر الآية ، ثم ادخل على الامر ( فَبِذلِكَ ) لزيادة التأكيد والتقرير ، وتفصيل مباحثه في الاعراب أكثر مما قلنا ، وبسطه يشغل عن المعنى والاعتبار به ، وهو خروج عن منهجنا في هذا التفسير ثم قال هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ اي ان الفرح بفضله وبرحمته أفضل وأنفع لهم مما يجمعونه من الذهب والفضة والخيل المسومة والانعام والحرث وسائر متاع الحياة الدنيا ، مع فقدهما ، لا لأنه سبب سعادة الآخرة الباقية ، المفضلة على الحياة الدنيا الفانية ، كما اشتهر فيما خطته الأقلام ولاكته الألسنة ، بل لأنه هو الذي يجمع بين سعادة الدارين كما حصل بالفعل ، إذ كانت هداية الاسلام بفضل اللّه وبرحمته سببا لما ناله المسلمون في العصور الأولى من الملك الواسع ، والمال الكثير ، مع الصلاح والاصلاح ، والعدل والاحسان ، والعلم والعرفان ، والعز الكبير ، فلما صار جمع المال ومتاع الدنيا وفرح البطر به هو المقصود لهم بالذات ، وتركوا هداية الدين في انفاقه والشكر عليه ، ذهبت دنياهم من أيديهم إلى أيدي أعدائهم كما شرحناه مرارا * * * ( 59 ) قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالًا ، قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ ( 60 ) وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيامَةِ ؟ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ * * * هاتان الآيتان في إقامة الحجة على منكري الوحي من المشركين بفعل من أفعالهم لا ينكرونه ولا يجادلون فيه ، تعزيزا لما تقدم من أنواع الحجج العقلية على إثباته ، ودفع شبهاتهم عليه ، وهذه الحجة مبنية على قاعدة كون التشريع العملي في التحريم والتحليل هو حق اللّه تعالى وحده ، وقاعدة كون الأصل في الارزاق وسائر لأشياء التي ينتفع بها الخلق الإباحة ، وقاعدة كون انتحال العبيد حق التشريع