الشيخ محمد رشيد رضا
365
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
شرعا هو اليقين اللغوي وهو الاعتقاد الصحيح الذي لا شك معه - لا المصطلح عليه عند نظار الفلسفة والمنطق المؤلف من علمين [ أحدهما ] ان الشيء كذا [ والثاني ] أنه لا يمكن أن يكون إلا كذا . وأما قولهم إن الاحكام العملية يكفي فيها الدليل الظني ففيه أن الدليل الظني لا يثبت به الايمان بالمظنون ، بل التصديق بالمظنون لا يسمى إيمانا . وانما يعمل في الاجتهاديات خروجا من الحيرة والترجيح بهوى النفس إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ هذه قضية ثانية مستأنفة خاصة بالعمل شأنها أن يسئل عنها بعد القضية التي قبلها في الاعتقاد ، فهو يقول إن اللّه عليم بما كانوا يفعلون بمقتضى اعتقاداتهم الظنية والقطعية ، فهو يحاسبهم ويجازيهم على كل عمل منها بحسبه ، فالجزاء على مخالفة الاعتقاد القطعي بصدق الرسول من تكذيب وجحود أشد أنواع الجزاء ، ويليه التكذيب باتباع الظن كالتقليد ، ومن تلك الأفعال الصد عن الايمان وإيذاء الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين بأنواعه ومنها سائر الشرور والمعاصي الشخصية والاجتماعية كالقتل والفاحشة والسكر والربا الخ والعبرة للمؤمن بالقرآن في هذه الآية والتي قبلها وهما من آياته المحكمات في أصول الايمان والاسلام أن يكون غرضه من حياته تزكية نفسه وتكميلها باتباع الحق في كل اعتقاد ، والهدى وهو الصلاح في كل عمل ، وبناؤهما على أساس العلم ، دون الظن وما دونه من الخرص والوهم ، فالعلم المفيد للحق والمبين للهدي في الدين هو ما كان قطعي الرواية والدلالة من الكتاب والسنة الذي قامت به الجماعة الأولى ، وهو الشرع العام الذي لا يجوز للمسلمين التفرق والاختلاف فيه ، فهو مناط وحدتهم ، ورابطة جامعتهم ، وما دونه مما لا يفيد إلا الظن فلا يؤخذ به في الاعتقاد ، وهو متروك للاجتهاد في الاعمال ، اجتهاد الافراد في الاعمال الشخصية ، واجتهاد أولي الامر في القضاء والإدارة والسياسة ، مع تقييدهم فيه بالشورى في استبانة العدل والمساواة والمصالح العامة ، كما فصلناه من قبل في مواضعه . وقد غفل عن هذه القواعد بعض أئمة الفقه فحكم بتحريم بعض العادات المباحة في الأصل كلعب الشطرنج ، وكذا المستحبة كملاعبة الرجل لزوجه وسماع الغناء بشبهة أنها من الباطل أو من الضلال ، ولا يثبت تحريم شيء من ذلك بدليل ظني