الشيخ محمد رشيد رضا

366

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

فضلا عن قطعي ، وفاقا للقاضي أبي بكر بن العربي المالكي المخالف فيه للرواية عن إمامه ، وأما المقلدون من المنتمين في الفقه إلى كل مذهب فقد حرموا على الناس مالا يحصى بالرأي والأقيسة الوهمية ، التي هي دون الأدلة الظنية ، وهدي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في الشبهات الاحتياط كما صرح به في حديث « الحلال بين والحرام بين » المتفق عليه واستفتاء ( الوجدان ) لحديث « استفت نفسك » رواه البخاري في التاريخ وانما الباطل من الاعمال ما ثبت بطلانه بدليل شرعي قطعي ، كما أن الحق فيها ما ثبتت حقيته بدليل قطعي ، وبينهما واسطة هي مالا دليل فيه بخلاف الاعتقاد فإنه ليس فيه واسطة بين الحق والباطل ، ومن الأشياء العملية ما الأصل فيه الإباحة وهو النافع ، ومنه ما سكت الشارع عن فرضه وعن تحريمه وعن قواعد حدوده كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم « وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها » كما في حديث أبي ثعلبة في الأربعين النووية وقد حققنا هذا البحث في تفسير ( 5 : 101 لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ) من جزء التفسير السادس والذي أريد أن أذكر به كل مسلم هنا أنه لا يوجد الآن في الأرض دين متبع ، ولا قانون دولي منفذ ، ولا نظام حزبي ولا جماعي ملتزم ، يفرض على الناس الحق والهدى فرضا دينيا ، والاعتماد في استبانتهما على العلم الصحيح ، وحصر الاجتهاد والترجيح فيما سواهما ، والاعتماد فيه على الوجدان في الشخصيات ، والشورى في المصالح العامة . ولن يصلح حال البشر الفردي ولا الاجتماعي والدولي إلا بهذه الأصول التي فرضها الاسلام ، وجعلها دينا يدان اللّه به ليس لأحد تجاوزه ، وقد عجزت علوم البشر على اتساعها ، وعقولهم على ارتقائها ، عن الاستغناء عنها بغيرها ، فهم كلما ازدادوا علما يزدادون باطلا وضلالا وبغيا ، خلا فالدعاة حضارتهم الكاذبين . قال شيخ فلاسفة الاخلاق وعلم الاجتماع في هذا القرن ( وهو هربرت سبنسر الانكليزي ) لحكيم الاسلام ، شيخنا الأستاذ الامام ، ان فكرة الحق قد زالت من عقول أمم أوربة البتة ، فلا يعرفون حقا إلا للقوة ، وإن الافكار المادية قد أفسدت أخلاقهم ، وانه لا يرى من سبيل إلى علاجهم ، وإنه لا يزال بعضهم يختبط ببعض - ولعله ذكر الحرب - ليتبين أيهم الأقوى ليسود العالم