الشيخ محمد رشيد رضا

364

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

المألوف ، وقياس الغائب والمجهول ، على الحاضر والمعروف ، وتقليد الآباء ثقة بهم ، وتعظيما لشأنهم ، أن يكونوا على باطل في اعتقادهم ، وضلال في أعمالهم ، وأما غير الأكثر فكانوا يعلمون ان ما جاءهم به الرسول هو الحق والهدى ، وان أصنامهم وغيرها مما عبدوا لا تنفع ولا تشفع ، ولكنهم يجحدون بآيات اللّه ويكذبون رسوله عنادا واستكبارا في الأرض ، وضنا برياستهم وزعامتهم ان يهبطوا منها إلى اتباع من دونهم ثروة وقوة ومكانة في قومهم ، ويجوز أن يكون التعبير بالأكثر جاء على سنة القرآن في الحكم على الأمم والشعوب بالحق والعدل ، فإنه تارة يحكم على أكثرهم ، وتارة يستثني من الاستغراق والاطلاق القليل منهم ، كما تقدم نظائره من قبل . فيكون الحكم على الأكثر للإشارة إلى أنه يقل فيهم ذو العلم ، فان قيل : وما حكم اللّه في الظن ؟ فالجواب إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً من الاغناء ولو قليلا ، أي لا يجعل صاحبه غنيا بعلم اليقين في الحق فيكون أي الظن بدلا من اليقين في شيء مما يطلب فيه اليقين كالدين ، فان الحق هو الامر الثابت المتحقق الذي لا ريب في ثبوته وتحققه ، والمظنون وإن كان راجحا عند صاحبه عرضة للشك يتزلزل ويزول إذا عصفت به أي عاصفة من الشبهات ، والاغناء يتعدى بعن كقوله ( ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ * ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ * فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ ) وقد عدي هنا بمن ، وفي مثله من سورة النجم ، وفي قوله في ظل دخان النار ( لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ ) وقوله في الضريع من طعام أهلها ( لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ ) فعدي بمن لإفادة القلة أو لتضمنه معنى البدل ، أي إن ظل دخان النار لا وارف يمنع الحر ولا يغني من اللهب بأن يقلله أو يزيله ويكون بدلا منه ، وإن الضريع الذي هو طعام أهل النار لا يسمن البدن بالتغذية الكافية ولا يقلل الجوع أو يزيله فيكون بدلا من الطعام الرديء التغذية واستدل العلماء بهذه الآية هنا وفي سورة النجم على أن العلم اليقيني واجب في الاعتقاديات ، وان إيمان المقلد غير صحيح ، ويدخل في الاعتقاديات الايمان بوجوب أركان الاسلام وغيرها من الفرائض والواجبات القطعية والايمان بتحريم المحظورات القطعية كذلك ، وقد بينا من قبل أن اليقين المشروط في صحة الايمان