الشيخ محمد رشيد رضا

363

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

إذ لا هادي غيره ؟ وهذا استثناء مفرغ من أعم الأحوال ، لان من نفى عنهم الهداية ممن اتخذوا شركاء للّه تعالى يشمل المسيح عيسى بن مريم وعزيرا والملائكة عليهم السّلام وهؤلاء كانوا يهدون إلى الحق بهداية اللّه ووحيه كما قال تعالى في الأنبياء من سورتهم ( 21 : 73 وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا ) وقال النحاس الاستثناء منقطع كما تقول : فلان لا يسمع غيره إلا أن يسمع ، أي لكنه يحتاج أن يسمع ، فمعنى ( إِلَّا أَنْ يُهْدى ) لكنه يحتاج أن يهدى اه فياللّه العجب من هذه البلاغة التي يظهر للمدققين في تعبير القرآن من بدائعها في كل عصر ما فات أساطين بلغاء المفسرين فيما قبله فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ هذا تعجيب من حالهم في جعلهم من هذه حالهم من العجز المطلق شركاء مع القادر على كل شيء ، أورده باستفهامين تقريعيين متواليين ، والمعنى : أي شيء أصابكم وما ذا حل بكم حتى اتخذتم شركاء هذه حالهم وصفتهم فجعلتموهم وسطاء بينكم وبين ربكم الذي لا خالق ولا رازق ولا مدبر ولا هادي لكم ولا لأحد منهم سواه ؟ كيف تحكمون بجواز عبادتهم ، وبما زعمتم من وساطتهم وشفاعتهم عنده بدون اذنه ؟ ومن القراءات اللفظية التي لا يختلف بها المعنى قراءة يهدي المشددة الدال بفتح الياء والهاء بنقل حركة التاء في أصلها ( يهتدى ) إلى الهاء وادغامها فيها ، وقراءتها بكسرهما معا فالهاء لالتقاء الساكنين والياء لمناسبتها لها ، وقراءتها بفتح الياء وكسر الهاء لمناسبة الدال وهي قراءة حفص التي عليها أهل بلادنا * * * وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا هذا بيان لحال المشركين الاعتقادية ، في إثر إقامة أنواع الحجج على توحيد الربوبية والإلهية ، بأسلوب الأسئلة والأجوبة المفيدة للعلم ، الهادية إلى الحق ، ومنها أنه ليس في شركائهم من يهدي إلى الحق المطلوب في العقائد الدال على ارتقاء العقل وعلو النفس ، وهو ان أكثرهم لا يتبعون في شركهم وعبادتهم لغير ربهم ، ولا في إنكارهم للبعث ، وتكذيبهم للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم إلا ضربا من ضروب الظن قد يكون ضعيفا كما يشير إليه تنكيره ، وذلك كاستبعاد غير