الشيخ محمد رشيد رضا
362
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا * إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ * بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ . . ) فتعديته بنفسه تفيد اتصال الهداية بمتعلقها مباشرة ، وتعديته باللام تفيد التقوية أو العلة والسببية ، وبالى للغاية التي تنتهي إليها الهداية ، فهي تشمل مقدماتها وأسبابها ، من حيث كونها موصلة إلى المنتهى المقصود للهادى السائق إليها ، وقد يكون قصده مجهولا لمطيعه كقوله تعالى في الشيطان ( كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ ) وكل من هذه الثلاث مستعمل في التنزيل في موضعه اللائق به ، يعلم ذلك من له ذوق سليم في هذه اللغة الدقيقة العالية . وقد جمع في هذه الآية بين التعدية بالحرفين وبين ترك التعدية وهو حذف المتعلق الدال على العموم وكل منها وقع في موقعه الذي تقتضيه البلاغة فهاكه فلم نر أحدا بينه أما الأول فقد عداه بالى في حيز الاستفهام الانكاري للايذان بأنه لا أحد من هؤلاء الشركاء المتخذين بالباطل يدل الناس على الطريق الذي ينتهي سالكه إلى الحق من علم وعمل وهو التشريع فهو ينفي المقدمات ونتائجها ، والأسباب ومسبباتها ، ولو عداه بنفسه لما أفاد إلا إنكار هداية الايصال إلى الحق بالفعل ، دون هداية التشريع الموصلة إليه ، ولو عداه باللام لكان بمعنى تعديته بنفسه إن كانت اللام للتقوية ، أو لانكار هداية يقصد بها الحق إن كانت للتعليل ، والأول أعم وأبلغ كما هو ظاهر وأما الثاني وهو تعديته باللام فهو يستلزم الأول ، وإذا جرينا على جواز استعمال اللام بمعنييها على مذهبنا الذي اتبعنا فيه الامامين الشافعي وابن جرير يكون معناه قل اللّه يهدي لما هو الحق لأجل أن يكون المهتدون به على الحق . وأما الثالث أي حذف المتعلق فهو في الشق الثاني من قوله أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى قرأ ( يهدي ) يعقوب وحفص بكسر الهاء وتشديد الدال وأصله يهتدي كما سيأتي في بحث لغة الكلمة ، وقرأها حمزة والكسائي بالتخفيف كيرمي ، ومعنى القراءتين مع ما قبلهما نصا واقتضاء : أفمن يهدي إلى الحق ويهدي له ويهديه وهو اللّه تعالى أحق أن يتبع فيما يشرعه أم من لا يهدى غيره ولا هو يهتدي بنفسه ممن عبد من دونه إلا أن يهديه غيره أي اللّه تعالى