الشيخ محمد رشيد رضا
361
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الحيوانية دون ما دونها من الاحياء النباتية ، فهم يشاهدون بدء خلق النبات في الأرض عندما يصيبها ماء المطر في فصل الشتاء وموته بجفافها في فصل الصيف والخريف ثم إعادته بمثل ما بدأه به مرة بعد أخرى ، ويقرون بأن اللّه هو الذي يفعل هذا البدء والإعادة ، لأنهم يشاهدون كلا منهما ، فهم أسرى الحس والعيان ، ثم ينكرون قدرته على إعادة خلق الناس ، لأنهم لم يشاهدوا أحدا منهم حيي بعد موته وقد فقدوا العلم ببرهان القياس ، واننا لا نزال نرى أمثالا لهم في جاهليتهم ممن تعلموا المنطق وطرق الاستدلال ، وعرفوا ما لم يكونوا يعرفون من سلطان الأرواح في عالم الأجسام ، وقد أمر اللّه رسوله أن يرشدهم إلى جهلهم بأنفسهم وينبههم للتفكير في أمرهم بقوله فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ أي فكيف تصرفون عن ذلك وهو من دواعي الفطرة وخاصة العقل في التفكير ، للعلم بالحقائق والبحث عن المصير ؟ * * * قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ ؟ هذا سؤال عن شأن آخر من شؤون الربوبية ، المقتضية لاستحقاق الألوهية ، وتوحيد العبادة الاعتقادية والعملية ، وهو الهداية التي تتم بها حكمة الخلق كما يدل عليه ذكرها عقبه في آيات أخرى كقوله تعالى ( الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى ) وهي أنواع هداية الفطرة والغريزة ، وهداية الحواس ، وهداية العقل ، وهداية التفكر والاستدلال بكل ذلك ، وهداية الدين ، وهو للنوع البشري في جملته كالعقل لأفراده ، وهداية التوفيق الموصل بالفعل إلى الغاية بتوجيه النفس إلى طلب الحق وتسهيل سبيله ومنع الصوارف عنه . ولما كان لا يمكنهم أن يدعوا ان أحدا من أولئك الذي أشركوهم في عبادة اللّه تعالى بادعاء التقريب اليه والشفاعة عنده يهدي إلى الحق من ناحية الخلق والتكوين ، ولا من ناحية التشريع ، لقن اللّه رسوله الجواب بقوله قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ فعل الهدى يتعدى بنفسه كقوله تعالى ( اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ * وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً * لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا ) ويتعدى بالى كقوله ( وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ * وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ ) وباللام كقوله