الشيخ محمد رشيد رضا

357

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

يثبتون ان في أصول النبات من بزر ونوى وبيض ومني حياة ، فهم يثبتون أيضا أن أصول الاحياء في الأرض كلها خرجت من مادة ميتة فان الأرض عندهم كانت كتلة نارية ملتهبة انفصلت من الشمس ثم صارت ماء ثم نبتت اليابسة في الماء ثم تكون من الماء النبات والحيوان في أطوار سبق الكلام فيها ، ويثبتون أيضا أن الغذاء من الطعام الميت الذي يحرق بالنار يتولد منه دم ومن هذا الدم يكون البيض والمني المشتملان على مادة الحياة ، ويثبتون أيضا ان بعض مواد البدن الحية تموت وتخرج منه مع البخار والعرق وغيرهما مما يفرزه البدن ويلفظه ، ويتجدد فيه مواد حية جديدة تحل محل ما اندثر وخرج منه ، والمراد من الآية إثبات قدرة الخالق وتدبيره ونعمه على عباده ، وهو عام لا يتوقف على الفن ومحدثات العلم بل تزيده كمالا للمؤمن المعتبر ، وقد تكون حجابا لغيره تحجبه عن ربه ، فالقاعدة عند علماء الحياة ان الحي لا يخرج إلا من حي ، فتعين أن تكون الحياة الأولى من خلق اللّه الحي بذاته المحيي لغيره وورد في التفسير المأثور تفسير الحياة والموت في مثل هذه الآية بالمعنويين منهما كخروج المؤمن من سلالة الكافر والعالم من الجاهل والبر من الفاجر وعكسها ، وقد قدمناه في تفسير آية آل عمران ( 3 : 27 ) الوارد فيها لأنه المناسب لسياقها . وهناك رواه ابن جرير وأبو الشيخ عن الحسن البصري وسعيد بن منصور ورواه ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات وأبو الشيخ في العظمة عن سلمان ( رض ) وكذا ابن مردويه عنه وعن ابن مسعود ( رض ) فراجعه في تفسيرها من الدر المنثور « * » وسياق هذه الآيات هنا يناسب ما فسرناها به من الحياة والموت في العالم كله ويؤيده قوله تعالى : وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ في الخليقة كلها بما أودعه في كل منها من السنن وقدره من النظام ، وتقدم تفسير التدبير عند ذكره في أول هذه السورة فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ أي فسيكون جوابهم عن هذه الاستفهامات الخمس ان فاعل ذلك كله هو اللّه رب

--> ( * ) انما ذكرت الرواية هنا لان مجلة مشيخة الأزهر ( نور الاسلام ) طعنت في هذا التفسير وعدته من جهل بعض المعاصرين وانما هو جهل مفتيها بالمأثور وغيره