الشيخ محمد رشيد رضا

358

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

كل شيء ومليكه ، إذ لا جواب غيره وهم لا يجهلونه ، فالاستفهام عنه لحملهم على الاقرار به ليرتب عليه قوله فَقُلْ أَ فَلا تَتَّقُونَ أي فقل لهم أيها الرسول أتعلمون هذا وتقرون به فلا تتقون سخط اللّه وعقابه لكم بشرككم به وعبادتكم لغيره ممن لا يملك لكم من تلك الأمور شيئا ، وهو المالك لها كلها ؟ * * * فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ هذه فذلكة ما تقدم ، أي فذلكم الذي يفعل ما ذكر اللّه ربكم ، أي المربي لكم بنعمه والمدبر لأموركم ، الحق الثابت بذاته ، لأنه هو الحي القيوم ، الحي بذاته ، المحيي لغيره ، القائم بنفسه ، المقيم لغيره ، وإذا كان هو ربكم الحق الذي لا ريب فيه ، المستحق للعبادة دون سواه فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ الاستفهام إنكاري ، وفي الجملة إدماج بما يسمونه الاحتباك ، أي فماذا بعد الحق الا الباطل ؟ وما ذا بعد الهدى الا الضلال ؟ والواسطة بين الطرفين المتضادين المتناقضين ممنوعة كالعقائد ، فالذي يفعل تلك الأمور هو الرب الحق فالقول بربوبية ما سواه باطل ، وهو الإله الذي يعبد بحق ، وعبادته وحده هي الهدى ، فما سواها من عبادة الشركاء والوسطاء ضلال ، فكل من يعبد غيره معه فهو مشرك مبطل ضال فَأَنَّى تُصْرَفُونَ أي فكيف تصرفون وتتحولون عن الحق إلى الباطل ، وعن الهدى إلى الضلال ، بعد العلم والاقرار بما كان به اللّه هو الرب الحق ، وانما الاله الحق ، الذي يعبد بالحق ، هو الرب الحق ، فما بالكم تقرون بتوحيد الربوبية دون توحيد الألوهية ؟ فنتخذون مع اللّه آلهة أخرى ولا تتحقق الألوهية الا بتحقق الربوبية ؟ فالآية تقرر أن التوحيد لا يصح مع الفصل بين الربوبية والألوهية كما كانوا يفعلون ، وقد جهل هذا بعض علماء الأزهر في هذا الزمان ، الذين أخذوا عقيدتهم من بعض الكتب الكلامية المبتدعة وجهلوا عقائد القرآن ، فلم يفرقوا بين مفهومي الرب والاله في اللغة العربية ، وما كان عليه أهلها في الجاهلية ، على أن الاسلام انما وحد بينهما في المصداق الشرعي ، لا في المفهوم اللغوي ، واحتج بهذا على المشركين هنا وفي آيات كثيرة كما صرح به الحافظ ابن كثير في تفسيره وغيره من قبله ومن بعده ،