الشيخ محمد رشيد رضا

350

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وقرينة المقابلة ، اي ذاك الايثار لمتاع الدنيا والاسراف والبغي فيه ، هو ما يدعو اليه الشيطان ، فيسوق متبعيه إلى النار ، دار الخزي والنكال ، واللّه يدعو عباده إلى دار السّلام وهي الجنة ، وفي المراد بالسلام الذي أضيفت اليه الدار وجوه يصح ان تراد كلها ( أولها ) انه السلامة من جميع الشوائب والمصائب والمعايب ، والنقائص والأكدار ، والعداوة والخصام ( الثاني ) انه تحية اللّه وملائكته لأهلها وتحية بعضهم لبعض الدالة على تحابهم وتوادهم وقد تقدم شرحه قريبا ( ثالثها ) ان السّلام من أسمائه عز وجل وأضيفت دار النعيم اليه تعظيما لشأنها ، وهو مصدر وصف به للمبالغة كالعدل ، ويدل على كمال التنزيه والسلامة من كل مالا يليق برب العالمين الرحمن الرحيم ، وفي بعض الأحاديث إضافة هذه الدار إلى ضمير الذات ( داري ) وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ عطف على ما قبله اي يدعو كل أحد إلى دخول دار السّلام ، ويهدي من يشاء إلى الطريق الموصل إليها من غير تعويق لأنه مستقيم لا عوج فيه ولا التواء ، وهو الاسلام عقائده وفضائله وعباداته وأحكامه ، والهداية في الأصل الدلالة بلطف ، وتكون بالتشريع وهو بيانه ، وهي عامة ، وبالتوفيق للسير عليه والاستقامة الموصلة إلى الغاية وهي خاصة بالمستعدين لذلك كما فصلناه في تفسير سورة الفاتحة ، وهي المرادة هنا ولذلك قيدها بالمشيئة * * * لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ هذا بيان لصفة الذين هداهم إلى صراط الاسلام ، فوصلوا بالسير عليه إلى غايته وهي دار السّلام ، أي للذين أحسنوا أعمالهم في الدنيا المثوبة الحسنى أي التي تزيد في الحسن على احسانهم وهي مضاعفتها بعشرة أمثالها أو أكثر ، كما قال في سورة النجم ( لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ) ولهم زيادة على هذه الحسنى ، هي فوق ما يستحقونه على أعمالهم بعد مضاعفتها التي هي من جزائها مهما تكن حسنة كما قال ( 4 : 172 فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ) وقد ورد في الأحاديث الكثيرة من الطرق العديدة ان هذه الزيادة هي النظر إلى وجه اللّه الكريم وهو أعلى مراتب الكمال الروحاني الذي لا يصل اليه المتقون المحسنون العارفون إلا في الآخرة . وقد فصلنا القول فيه في تفسير سورة الأعراف ( ص 128 ج 9 ) بما يقربه