الشيخ محمد رشيد رضا
351
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
من العقل والعلم العصري ، ويدحض شبهات المعتزلة المنكرين له بزعمهم انه محال عقلا ، وما هذا المحال إلا نظريات عقولهم التي تقيس عالم الغيب على عالم الشهادة ، وقد ظهر في هذا العصر من علوم المادة ما لم يكن يقبله عقل من العقول المقيدة بتلك النظريات المتولدة من الفلسفة اليونانية والكلام الجهمي فكيف يكون عالم الغيب الإلهي مقيدا بها ؟ وثم وراء العقل علم يدق عن * مدارك غايات العقول السليمة وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ رهق الرجل الشيء ( كتعب ) أدركه ورهقه الشيء كالدين والذل غشيه ، وغلب عليه حتى غطاه وحجبه ( وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً ) لا تكلفني ما يعسر عليّ ، والقتر الدخان الساطع من الشواء والحطب وكل غبرة فيها سواد . أي لا يغشي وجوههم في الآخرة شيء مما يغشى وجوه الكفرة الفجرة من الكسوف والظلمة والذلة ، كما يأتي قريبا في المقابلة بين الفريقين أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ أولئك الموصوفون بما ذكر أصحاب الجنة دار السّلام والاكرام ، خالدون مقيمون فيها لا يبرحونها * * * وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها جزاء وفاقا ، لا يزادون على ما يستحقون بسيئاتهم من العذاب شيئا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ اي تغشاهم ذلة الفضيحة وكسوف الخزي بما يظهره حسابهم من شرك وظلم وزور وفجور ما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ ما لهم من أحد ولا من شيء يعصمهم ويمنعهم من عذاب اللّه ، كالذين اتخذوهم في الدنيا من الشركاء ، وزعموهم من الأولياء والشفعاء ، وانتحلوهم من الوسائل والوسطاء ، لأنه اليوم الذي تنقطع فيه الأسباب التي مضت بها سنن اللّه تعالى في الدنيا ، فانى تفيد فيه المزاعم الشركية الوهمية ( يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ) أو ما لهم من عند اللّه ومن فضله من عاصم يحفظهم من عذابه كعفوه ومغفرته ، فإنه لا يغفر ان يشرك به ، كالشفعاء الذين يشفعون باذنه لمن ارتضى من عباده اظهارا لكرامتهم ، لأن هذه الشفاعة الخاصة لا نصيب فيها لمنتحلي الشفاعة الشركية الذين كانوا يزعمون في الدنيا ان لشفعائهم تأثيرا في مشيئة اللّه وأفعاله حتى يحملوه على فعل ما لم يكن يفعله لولا شفاعتهم ، فيجعلون ذاته وصفاته وأفعاله معلولة تابعة لما يطلبونه منه ، وأما