الشيخ محمد رشيد رضا

345

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

والدول ، فان عقابها اثر طبيعي لظلمها وفسادها . وانما يوفى كل أحد جزاءه في الآخرة ( فان قيل ) إن الأرض كلها تستغيث ربها من بغي دول أوربة وظلمها ، فما لنا لا نرى بغيها يعود وباله عليها ، وما لنا لا نرى وعيده تعالى للظالمين نازلا بها ، ومديلا للشعوب الشرقية المظلومة منها ومن شعوبها المؤيدة لها ( قلنا ) ان هذا السؤال ما جاء إلا من الغفلة عن الامر الواقع ، والجهل بسنن اللّه في العمران ، فان في بلاد هذه الدول من المصائب والنوائب والجوائح والفقر ما هو أشد مما في بعض بلاد الشرق ، وانها قد قتلت من رجالها في الحرب الأخيرة العامة أضعاف من قتلتهم بغيا وعدوانا من أهل الشرق منذ اعتدت عليهم إلى اليوم ، وانها قد خربت من عمرانها أكثر مما خربت في الشرق ، وانها قد خسرت من أموالها في أربع سنين أضعاف ما ربحت من الشرق في مائة سنة ، وان ما بين شعوبها بعضها لبعض من الأحقاد والاضغان ، وتربص الدوائر للوثبان ، والفتك بالأرواح وتدمير العمران ، لأشد مما في قلوب شعوب الشرق لظالميهم ومستذليهم منهم - فهذا بعض انتقام العدل الإلهي المشاهد فأما الجوائح السماوية فلا يعتبرون بها ، لأنهم يسندونها إلى أسبابها ما صح منها وما لم يصح ؟ فمكرهم في آياته أشد من مكر من قبلهم . وأما المصائب الكسبية فيتوخون نخفيفها ، وتلافي شرورها ، بالمفاوضات والمؤتمرات ، وهيهات هيهات . وأما ما نتمناه من الادالة لشعوبنا منهم فلا تزال غير أهل له لما هي عليه من الجهل وفساد الاخلاق ، والتقاطع والتخاذل ، وترك كل ما هداها اللّه اليه في كتابه من أسباب السيادة والاستخلاف في الأرض كما نبهنا اليه آنفا ، وشرحناه في تفسيرنا هذا لآيات كتابه مرارا ، ومن المكابرة للحس ان ننكر ان أكثر ما في بلادنا من عمران فهو من عملهم ، وإن كان جله لمصلحتهم ، وان من يستخدمون من ملوكنا وأمرائنا وحكامنا هم شر علينا منهم ، بل لم يسودونا ويغلبونا في قطر من أقطارنا ، إلا بمساعدة سادتنا وكبرائنا إياهم علينا ( 8 : 53 ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ ) فراجع تفسيره في ص 36 - 47 من جزء التفسير العاشر ) تعلم اننا إذا غيرنا ما بأنفسنا الآن ، بما كان عليه سلفنا من إيمان وأخلاق