الشيخ محمد رشيد رضا

346

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

تتبعها الاعمال ، وأولها الجهاد بالنفس والمال ، فان كل ما سلب منا يرجع الينا ، ونزاد عليه بالسيادة على غيرنا ، ولو اتبعوا هم كتابنا كله لا صلحوا الأرض كلها . ضرب اللّه هذا المثل هنا للكافرين بنعمه من الباغين في الأرض والظالمين للناس ، فذكر من اخلاصهم في دعائه عند الشدة أنهم يقسمون له لئن أنجاهم منها ، ليكونن من الشاكرين له عليها ، وضربه في أواخر سورة العنكبوت للمشركين في عبادته ، من المؤمنين بربوبيته ، فقال ( 29 : 65 فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ ) وضربه في أواخر سورة لقمان لجميع أصناف الناس فقال ( 31 : 31 أَ لَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ 32 وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ، فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ ، وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ ) الختار الكفور هنا ضد مقابل للصبار الشكور فيما قبله ، والختر الغدر الذي يحمل عليه ضعف الإرادة والعبرة في هذه الآيات كلها انه تعالى أخبر عن المشركين به وعن الكافرين بنعمه ، وعن الختارين الفاقدين لفضيلتي الصبر والشكر ، انهم كلهم يدعونه في شدة الضيق ومساورة خطر البحر لهم مخلصين له الدين ، لا يتوجهون إلى غيره ممن اتخذوهم شركاء للّه تعالى بعبادتهم لهم وتوسلهم بهم واتخاذهم وسطاء عنده ، وانهم انما يقترفون هذا الشرك وما يناسبه من البغي والظلم وكفر النعمة بعدم اسنادها إلى المنعم الحقيقي في أوقات التمتع بها والسلامة من منغصاتها ، وان الذين يثبتون على توحيده وشكره هم المقتصدون أي المعتدلون في عقائدهم وأخلاقهم فلا تقنطهم الشدة ، ولا تبطرهم النعمة ولكن يوجد في زماننا من هم أشد شركا وكفرا بالنعم والمنعم وهم قوم يدعون غيره من دونه في أشد أوقات الضيق والخطر ، ويدعون مع ذلك انهم مسلمون موحدون لأنهم ينطقون بكلمة التوحيد الموروثة بألسنتهم وهم لا يعقلون معناها واللّه تعالى يقول ( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ ) ولا حول ولا قوة إلا باللّه