الشيخ محمد رشيد رضا

342

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الربان الانكليزي في هذه الآيات فتعمد أن يعرف بعض المسلمين في بعض ثغور الهند ، فسألهم أتعلمون ان نبيكم محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم سافر في البحار ؟ قالوا لا انه لم يرو عنه انه سافر في البحر قط ، فاعتقد ان ما في القرآن مما ذكر لم يكن إلا بوحي من اللّه تعالى لهذا النبي العظيم ، وأعظم منه ما فيه من آيات التوحيد والتشريع والتهذيب ، التي هي أكمل وأقرب إلى العقل والفكرة من كل ما في التوراة والإنجيل ، فأسلم عن علم وبصيرة ، وظل زمنا طويلا يتعبد بما يفهمه من ترجمة القرآن ، حتى أتيح له ترك عمله في البحار ، فأقام في مصر وتعلم العربية وعاشر فضلاء المصريين ، وهو مستر عبد اللّه براون رحمه اللّه تعالى ، وأنا قد أدركته وعرفته ، ولا يزال في مصر من يعرفه ، وقد ضرب الأستاذ الامام به المثل في صلاته التي كان يصليها في البحر بقدر ما يفهم من القرآن بكل خشوع وتوجه إلى اللّه تعالى ، في كلام له في روح الصلاة ومغزاها ، وصورتها وأركانها ، قال قد كانت تلك الصلاة أقرب إلى مرضاة اللّه تعالى وقبوله من الصلاة الصورية التقليدية التي يمثلها من لا يخطر في قلوبهم فيها أنهم متوجهون إلى اللّه ومناجون له مع استشعار عظمته ووحدانيته الخ * * * قال تعالى في وصف أولئك القوم فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ أي إذا هم يفاجئون الناس في الأرض التي يهبطون إليها بالبغي عليهم وهو الظلم والعدوان والافساد يمعنون في ذلك ويصرون عليه ، وأصل البغي طلب ما زاد على القصد والاعتدال ، إلى الافراط المفضي إلى الفساد والاختلال ، من بغى الجرح إذا زاد حتى ترامى إلى الفساد ، ومنه قولهم : بغت السماء ، إذا تجاوزت في المطر الحد المحتاج اليه للزرع والشجر وامداد الينابيع ، وبغت المرأة إذا تجاوزت في بضعها الحق الخاص بالزوج إلى الفجور ، والأصل فيه أن يكون كما وصفه بِغَيْرِ الْحَقِّ فتكون الصفة كاشفة للواقع للتذكير بقبحه وسوء حال أهله ، وقد يكون البغي وهو تجاوز حد الاعتدال بحق إذا كان عقابا على مثله أو ما هو شر منه كما يقع في الحروب وقتال البغاة من اضطرار أهل الحق والمعتدى عليهم ، إلى تجاوز الحدود في أثناء الدفاع عن أنفسهم ، وقد قال تعالى ( 42 : 37 وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ