الشيخ محمد رشيد رضا
343
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ - إلى قوله - إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ) وقال في بيان أصول الجرائم ( 7 : 32 قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ) الخ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ هذا التفات عن حكاية المثل إلى مخاطبة البغاة أينما كانوا ، وفي أي زمان وجدوا ، مبدوءا بالنداء الذي يصيح به الواعظ المنذر بالبعيد في مكانه ، أو الغافل الذي يشبه الغائب في حاجته إلى من يصيح به لينبهه ، يقول يا أيها الضالون عن رشدهم ، الغافلون عن أنفسهم ، حسبكم بغيا على المستضعفين منكم ، وغرورا بكبريائكم وقوتكم ، إنما بغيكم في الحقيقة على أنفسكم ، لان عاقبة وباله عائدة عليكم ، أو لان من تبغون عليهم من قومكم أو من أبناء جنسكم ، كقوله ( وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ) المراد به ولا يقتل بعضكم بعضا ، والشر داعية الشر ، مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا اي حال كون بغيكم أو تتمتعون ببغيكم متاع الحياة الدنيا الفانية الزائلة ، فهو ينقضي وعقابيله باقية ، وأقلها توبيخ الوجدان ، وقرأ الجمهور « متاع » بالرفع على أنه خبر لما قبله وفيه وجهان ، أو على تقدير هو متاع الحياة الدنيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ أي ثم انكم بعد هذا التمتع القليل ترجعون الينا وحدنا فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ دائما من الظلم والبغي والتمتع بالباطل مصرين فنجازيكم به دلت الآية على أن البغي يجازى أصحابه عليه في الدنيا والآخرة ، فاما في الآخرة فهو ما دل عليه انذار أهله الرجوع إلى اللّه وانباؤه إياهم بما كانوا يعملونه ، إذ المراد به لازمه وهو الجزاء به ، وقد تكرر مثله في التنزيل . واما في الدنيا فهو قوله تعالى ( إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ ) ويؤيده قوله صلّى اللّه عليه وسلّم « ما من ذنب يعجل اللّه لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم » رواه أحمد والبخاري في الأدب المفرد والترمذي وابن ماجة والحاكم من حديث أبي بكر ( رض ) وأخرج ابن عدي وابن النجار من حديث علي ( رض ) مرفوعا « احذروا البغي فإنه ليس من عقوبة هي أحضر من عقوبة البغي ! ! والترمذي