الشيخ محمد رشيد رضا
340
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وغيرهما عن سعد بن أبي وقاص قال : لما كان يوم الفتح فر عكرمة بن أبي جهل فركب البحر فأصابتهم عاصف فقال أصحاب السفينة لأهل السفينة أخلصوا فان آلهتكم لا تغني عنكم شيئا ، فقال عكرمة لئن لم ينجني في البحر الا الاخلاص ما ينجيني في البر غيره ، اللهم ان لك عهدا ان أنت عافيتني مما أنا فيه ان آتي محمدا حتى أضع يدي في يده فلأجدنه عفوا كريما ، قال فجاء فأسلم ، وفي رواية ابن سعد عن أبي مليكة ان عكرمة لما ركب السفينة وأخذتهم الريح فجعلوا يدعون اللّه تعالى ويوحدونه قال ما هذا ؟ فقالوا هذا مكان لا ينفع فيه إلا اللّه تعالى ، قال فهذا إله محمد صلّى اللّه عليه وسلّم الذي يدعونا اليه فارجعوا بنا فرجع وأسلم . وظاهر الآية انه ليس المراد تخصيص الدعاء فقط به سبحانه ، بل تخصيص العبادة به تعالى أيضا « 1 » لأنهم بمجرد ذلك لا يكونون مخلصين له الدين ، وأيا ما كان فالآية دالة على أن المشركين لا يدعون غيره تعالى في تلك الحال ، وأنت خبير بأن الناس اليوم إذا اعتراهم أمر خطير ، وخطب جسيم ، في بر أو بحر ، دعوا من لا يضر ولا ينفع ، ولا يرى ولا يسمع ، فمنهم من يدعو الخضر والياس ، ومنهم من ينادي أبا الخميس والعباس ، ومنهم من يستغيث بأحد الأئمة ، ومنهم من يضرع إلى شيخ من مشايخ الأمة ، ولا ترى فيهم أحدا يخص مولاه ، بتضرعه ودعاه ، ولا يكاد يمر له ببال ، انه لو دعا اللّه تعالى وحده ينجو من هاتيك الأهوال ، فباللّه تعالى عليك قل لي أي الفريقين من هذه الحيثية أهدى سبيلا ، وأي الداعيين أقوم قيلا ، وإلى اللّه تعالى المشتكى من زمان عصفت فيه ريح الجهالة ، وتلاطمت أمواج الضلالة ، وخرقت سفينة الشريعة ، واتخذت الاستغاثة بغير اللّه تعالى للنجاة ذريعة ، وتعذر على العارفين الامر بالمعروف ، وحالت دون النهي عن المنكر صنوف الحتوف اه أقول يعني الشهاب الآلوسي رحمه اللّه إن فشو هذا الشرك في الناس عامتهم وشيوخ البدع من علمائهم ، والمنافقين من حكامهم ، جعل نهي العارفين عنه ، وأمرهم بالتوحيد المحض ، من الأمور المتعذرة ، التي بخشي على المجاهر بها الحتوف
--> ( 1 ) الدعاء مخ العبادة فكان ينبغي ان يقول : بل تخصيص كل عبادة به أيضا