الشيخ محمد رشيد رضا

321

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

التذكير بما أوتي بعضهم من العلم والحكم الوهبي قبلها أيضا . قال تعالى في موسى ( 28 : 14 وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً ) وبلوغ الأشد يكون في استكمال الثلاثين وذكر بعد هذا خروجه إلى مدين ونزول الوحي عليه في أثناء عودته منها . وكان موسى على علم بشرائع المصريين ومعارفهم أيضا ، وقال تعالى في يوسف ( 12 : 22 وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً ) ولم يقل واستوى فالظاهر أنه قبل النبوة أيضا ، وكان العلم الذي امتاز به يوسف تأويل الأحاديث والرؤى أي الاخبار بمآلها . وقال في يحيى ( وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ) ولم ينقل عن نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم قبل النبوة علم ولا حكم في الأمور اللهم إلا حكمه في تنازع زعماء قريش عند بنائهم الكعبة أيهم يضع الحجر الأسود في مكانه من الركن وكادوا يقتتلون فطلع عليهم فقالوا هذا الأمين نحكمه ونرضى بحكمه أي لأنه أمين صادق لا يحابي فحكم بوضعه في ثوب يأخذ سيد كل قبيلة ناحية منه ثم ارتقى هو إلى موضعه من الركن فرفعوه اليه فوضعه فيه . والخبر من مراسيل السير لم يرد مرفوعا وأخرجه البيهقي عن ابن شهاب الزهري وقد عبر عنه بكلمة غلام وفي السيرة الحلبية ان سنه صلّى اللّه عليه وسلّم كانت عند بناء الكعبة خمسا وثلاثين سنة هذه حجة عقلية ناهضة ، على بطلان شبهتهم الداحضة ، التي بنوا عليها مطالبة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بالاتيان بقرآن غير هذا القرآن ، وقد ظهر لعلماء هذا العصر ما أيد دلالتها العلمية فإنهم بما حذقوا علم النفس وأخلاق البشر وطباعهم ، وما عرفوا من درجات استعدادهم العلمي والعقلي باستقراء تاريخهم ، قد حققوا أن استعداد الانسان العقلي للعلوم ، واستعداده النفسي للنهوض بالاعمال القومية أو العالمية ، يظهر كل من الاستعدادين فيه من أوائل نشأته ، ويكون في منتهى القوة والظهور بالفعل عند استكمال نموه في العقدين الثاني والثالث من عمره ، فإذا بلغ الخامسة والثلاثين ولم يظهر نبوغه في علم من العلوم التي سبق اشتغاله بها ، ولا النهوض بعمل من الاعمال العامة التي كان استشرف لها ، فان من المحال أن يظهر منه « تفسير القرآن الحكيم » « 41 » « الجزء الحادي عشر »