الشيخ محمد رشيد رضا

322

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

شيء من هذا أو ذاك من بعدها جديدا أنفا « 1 » ويكون فيه نابغا ناجحا ، وقد قدمنا في مباحث اثبات ( الوحي المحمدي ) أن هذا القرآن مشتمل على تمحيص الحقائق في جميع العلوم والمعارف الدينية والتشريعية التي يتوقف عليها صلاح جميع البشر ، وأن الرسول الذي أنزله اللّه عليه قام تنفيذ هذا الاصلاح بما غير وجه الأرض ، وقلب أحوال أكثر أممها فحولها إلى خير منها ، وأن ذلك كله كان بعد أربعين سنة قضاها في الأمية . فهذا العلم الجديد الذي أيد حجة القرآن العقلية في هذا العصر له في علوم القرآن نظائر أشرنا إلى بعضها آنفا ، وبينا كثيرا منها في تفسيرنا هذا ، وهو مما يمتاز به على جميع التفاسير بفضل اللّه تعالى ، وإن كان أكثر المسلمين غافلين عنه تبعا لغفلتهم عن القرآن نفسه ، وعدم شعورهم بالحاجة إلى هدايته ، بصد دعاة التقليد المعممين إياهم عنه ، ومن الغريب أن ترى أساطين المفسرين لم يفهموا من الآية أن فيها جوابا عن الشق الأول من اقتراح المشركين وهو الاتيان بقرآن آخر ، وقد هدانا اللّه تعالى اليه مع برهانه بفضله ، وكم ترك الأول للآخر ! ! * * * فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ هذه تتمة الرد على اقتراح المشركين فإنه رد عليهم أولا ببيان حقيقة الامر الواقع ، وهو أن تبديل القرآن ليس من شأن الرسول في نفسه ، ولا مما أذن اللّه له به ، بل يعاقبه عليه أشد العقاب في الآخرة إن فرض وقوعه منه - لأنه كلامه الخاص به - وثانيا بإقامة الحجة العقلية على أنه كلام اللّه وأنه ليس في استطاعته [ ص ] الاتيان بمثله ، ثم عزز هاتين الحجتين بثالثة أدبية وهي ان شر أنواع الظلم والاجرام في البشر شيئان أحدهما افتراء الكذب على اللّه ، وهو ما اقترحوه عليه بجحودهم ، وثانيهما التكذيب بآيات اللّه ، وهو ما اجترحوه باجرامهم ، وقد بين هذا بصيغة الاستفهام الانكاري ، أي لا أحد أظلم عند اللّه وأجدر بغضبه وعقابه من هذين الفريقين

--> ( 1 ) الانف بضمتين من قولهم روضة أنف أي جديدة النبت لم ترع . وعبر به القدرية عن مذهبهم في خلق اللّه الأشياء عندما يبدو للّه كل شيء منها بدون تقدير سابق ، فقالوا الامر أنف ومنه يعلم مرادنا من الكلمة هنا