الشيخ محمد رشيد رضا

304

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

تفيض أشعتها على كواكبها التابعة لنظامها . فتبث الحرارة والحياة في جميع الاحياء فيهن ، وجعل لكل ضوء منها من الخواص ما ليس للآخر . ويبصر الناس فيها جميع المبصرات فيقومون بأمور معايشهم وسائر شؤونهم ، وما خلق القمر ذا نور مستمد من الشمس تنتفع به السيارة في سراهم وغيرهم ، وقدره منازل يعرف بها جميع الناس السنين والشهور - ما خلق ذلك إلا متلبسا ومقترنا بالحق ، الذي تقتضيه الحكمة العامة لحياة الخلق ، ونظام معايشهم ومنافعهم ، فليس فيه عبث ولا خلل بل ظهر للبشر في هذا العصر من أسرار الضوء وحكمه ما صار به علما واسعا تحار العقول في نظمه وحكمه ، من أصغر ذراته إلى أعظم مجامع نيراته ، فكيف يعقل من هذا الخالق الحكيم ، أن يخلق هذا الانسان في أحسن تقويم ، ويعلمه البيان ، ويعطيه ما لم يعط غيره في عالمه ؛ من الاستعداد لاظهار مالا يحصى من حكمه ، وخواص خلقه ، وسننه في عباده ، ويجعل مدار سعادته وشقائه على ما أعطاه من علم وإرادة ، ثم يتركه بعد ذلك سدى ، يموت ويفنى ، ثم لا يبعث ولا يعود ، ليجزى المرتقون منه في معارج الكمال من المعارف الإلهية والفضائل النفسية والأعمال الصالحة بايمانهم وصفاتهم وأعمالهم ، وليجزى المشركون الخرافيون ، والظالمون المجرمون ، بكفرهم وجرائمهم ومفاسدهم ، واننا نرى كثيرا منهم أنعم في الدنيا معيشة من الصالحين المصلحين ؟ ( 68 : 35 أَ فَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ؟ 36 ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ؟ ) ( 38 : 28 أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ ؟ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ؟ ) نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * استئناف لبيان المنتفعين بهذه الحجج أي نبين الدلائل من حكم خلقنا ، على ما أوحيناه إلى رسولنا من أصول العقائد وأحكام الشرائع ، مفصلة منوعة من كونية وعقلية لقوم يعلمون وجوه دلالة الدلائل ، والفرق بين الحق والباطل ، باستعمال عقولهم في فهم هذه الآيات ، فيجزمون بأن من خلق هذين النيرين وما فيهما من النظام بالحق ، لا يمكن أن يكون خلقه لهذا الانسان العجيب عبثا ، ولا أن يتركه سدى ، وفي الآية تنويه بفضل العلم وكون