الشيخ محمد رشيد رضا
301
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الإلهية في خلق الانسان ، ولكنها مقتضى العدل في المظالم والحقوق ، ومقتضى اطراد السنن الحكيمة في ارتباط الأسباب بالمسببات ، والعلل بالمعلولات ، فهو جزاء كما صرح به في آيات أخرى ولكنه ليس المقصود بالذات من الرجوع إلى اللّه عز وجل . وقد سألني رجل من أذكياء الانكليز : هل يليق بعظمة اللّه أن يعذب هذا الانسان الضعيف على ذنوبه التي هي مقتضى ضعفه ؟ قلت إن الشرك باللّه والكفر بنعمه واقتراف الخطايا المخالفة لشرائعه وللوجدان الفطري في الانسان تدنس نفس فاعلها وتفسدها بما يجعلها غير أهل للنعيم الروحاني الخاص بالأنفس الزكية ، فيكون العقاب في الآخرة أثرا طبيعيا لهذا الفساد ، كما يكون المرض أثرا طبيعيا لمخالفة قوانين الصحة ووصايا الطبيب . فقال إذا كان سبب العذاب من الداخل لا من الخارج فهو معقول * * * ( 5 ) هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ، ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 6 ) إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ * * * في هاتين الآيتين المنزلتين إرشاد إلى أنواع كثيرة من آيات اللّه الكونية الدالة على قدرته على البعث والجزاء وكونه من مقتضى حكمته ، واطراد النظام التام في جميع خلقه ، وهذه الآيات تفصيل لما أجمل في الآية الثالثة في خلق السماوات والأرض ، واستواء الخالق على عرشه يدبر الامر ، ويقيم النظام في الخلق ، التي سيقت للاستدلال على التوحيد وحقية الوحي هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً الضياء اسم مصدر من أضاء يضيء وجمع ضوء ، كسياط وسوط وحياض وحوض ، وقرأ ابن كثير ( ضئاء ) على القلب بتقديم لام الكلمة على عينها . قال في القاموس وشرحه : ( الضوء ) هو ( النور ويضم ) وهما مترادفان عند أئمة اللغة ، وقيل الضوء أقوى من النور قاله الزمخشري ولذا شبه اللّه هداه بالنور دون الضوء وإلا لما ضل أحد وتبعه