الشيخ محمد رشيد رضا

302

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الطيبي واستدل بقوله تعالى جعل الشمس ضياء والقمر نورا وأنكره صاحب الفلك الدائر وسوى بينهما ابن السكيت ، وحقق في الكشف أن الضوء فرع النور وهو الشعاع المنتشر ، وجزم القاضي زكريا بترادفهما لغة بحسب الوضع ، وان الضوء أبلغ بحسب الاستعمال ، وقيل الضوء لما بالذات كالشمس والنار ، والنور لما بالعرض والاكتساب من الغير ، هذا حاصل ما قاله شيخنا رحمه اللّه تعالى . وجمعه أضواء ( كالضواء والضياء بكسرهما ) لكن في نسخة لسان العرب ضبط الأول بالفتح والثاني بالكسر ، وفي التهذيب عن الليث الضوء والضياء ما أضاء لك ، ونقل شيخنا عن المحكم أن الضياء يكون جمعا أيضا ، قلت هو قول الزجاج في تفسيره عند قوله تعالى ( كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ ) اه وأقول : يدل على التفرقة بين الشمس والقمر في نورهما قوله تعالى ( 71 : 16 وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً ) وقوله ( 25 : 61 وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً ) والسراج ما كان نوره من ذاته . واستبعد بعض المفسرين قول الزجاج إن الضياء في الآية جمع ضوء لان المناسب لكون القمر نورا أن يكون الضياء مفردا مثله . وجهل هذا المستبعد وأمثاله ما يعلمه اللّه تعالى من أن شعاع الشمس مركب من ألوان النور السبعة التي يراها الناس في قوس السحاب فهو سبعة أضواء لا ضوء واحد ، فهذا التعبير من مفردات القرآن الكثيرة التي كشف لنا ترقي العلوم الطبيعية والفلكية من المعنى فيها ما كان الناس أو العرب يجهلونه في عصر التنزيل كتعبيره عن كل نوع من النبات بأنه موزون ، وتقدم بيانه في مباحث الوحي . وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ التقدير جعل الشيء أو الأشياء على مقادير مخصوصة في الزمان أو المكان أو الذوات أو الصفات ، قال تعالى ( وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ ) وقال في القرى التي كانت بين سبأ والشام ( وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ ) وقال في المقادير العامة ( وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً ) والمنازل أماكن النزول جمع منزل ، والضمير للقمر كما قال في سورة يس ( وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ) أي قدر له أو قدر سيره في فلكه في منازل ينزل في كل ليلة في واحد منها لا يخطئه ولا يتخطاه وهي ثمانية