الشيخ محمد رشيد رضا
300
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وعذاب شديد الألم ( وهذا من عطف العام على الخاص ) ونكتة هذا الخاص ان العرب الذين خوطبوا به أولا ونزل بلغتهم ولا سيما عرب الحجاز يشعرون بما لا يشعر غيرهم من الوعيد بشرب الماء الحميم والحرمان من الماء البارد - وانما كان لهم هذا الجزاء بسبب ما كانوا يعملون من أعمال الكفر المستمرة إلى الموت كدعاء غير اللّه تعالى والنذر لغيره وذبح القرابين لغيره وسائر الأعمال السيئة التي يزينها لهم الكفر ويصد عنها الايمان ، فقوله ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا ) مقابل لقوله ( الَّذِينَ آمَنُوا ) وقوله ( بِما كانُوا يَكْفُرُونَ ) مقابل لقوله ( وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ) لان الذي يتجدد من الكفر أعماله لا عقيدته . على أن العمل بمقتضى العقيدة هو أثرها يزيدها قوة ورسوخا واستمرارا ، وسيعاد ذكر جزاء الفريقين بعد آيتين بتفصيل آخر لعملهما ولعل نكتة اختلاف النظم أو الأسلوب - في جزاء الفريقين وتعليل الرجوع اليه تعالى هنا - هي إفادة ان المقصود بالذات من الرجوع إلى اللّه تعالى هو جزاء المؤمنين الصالحين لأنه هو الذي يكون به منتهى كمال الارتقاء البشري للذين زكوا أنفسهم في الدنيا بما يكون لهم في الجنة من غلبة سلطان الأرواح على الأجساد ، وجعلها تابعة لها في الجمع بين خصائص المادة والروح الذي هو حقيقة الانسانية ، فيلقى الانسان الكامل هنالك من النعيم المادي الخالي من الشوائب والتنغيص الذي عهده في الدنيا ، ومن النعيم الروحاني المعبر عنه برضوان اللّه الأكبر كما تقدم في آية سورة التوبة ( 72 ) ما يتحقق به فضل الانسانية الجامعة ، على الروحانية الخالصة ، وما أعده تعالى لصاحبها مما لا يعلم كنهه في هذه الحياة أحد كما قال تعالى في سورة ألم السجدة [ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ] وما فسرت به في الحديث القدسي « أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر » رواه البخاري وأعلاه مقام رؤية اللّه عز وجل كما شرحناه في تفسير آية سورة الأعراف ( 7 : 143 ) وأدناه ما سيأتي قريبا في الآية العاشرة وأما جزاء الكافرين المفسدين الظالمين لأنفسهم وللناس على تدسيتهم وتدنيسهم لأنفسهم بالكفر والخطايا - وهي لها كأعراض الأمراض التي سببها مخالفة سنة اللّه في حفظ الأبدان وصحتها - فليس من المقاصد التي اقتضتها الحكمة