الشيخ محمد رشيد رضا
28
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
على أصحاب الأموال من النفقات والصدقات ، ما يبدل سيئات الثروة في الاسلام حسنات ، واننا لم نجد في كتب التفسير ولا كتب الفقه ولا دواوين التاريخ الاسلامي بيانا علميا لحكمة الشريعة في السياسة المالية وما انفردت به من الاصلاح المعقول فيها ، وكنت عازما على شرح ذلك في تفسير هذه الآية فلما وصلت اليه وفكرت في أصول هذه المسألة وفروعها تبين لي أنه لا يمكن تفصيل القول فيها الا بتأليف سفر مستقل ، ورأيت أن أكتفي هنا بايراد أهم الحقائق التي تشير إلى عظم شأن هذه المسألة واصلاح الاسلام فيها فأقول : ان اتساع دوائر العلوم والفنون والمصالح العامة في هذا العصر قد اضطر الباحثين إلى انفراد بعض الافراد والجماعات للاخصاء في كل فرع من فروعها لتمحيص مسائلها والإحاطة بها بقدر الامكان ، حتى أن الرجال الماليين لا يستحقون هذا اللقب فيه ( أي لقب المالي ) إلا بعد إتقان عدة علوم منها ، والتمرن بالعمل في بعض فروعها ، واننا نرى بعض الاجتماعيين منهم يجزمون بان جميع الثورات والحروب السياسية والدينية ذات الشأن في تاريخ البشر قد كان المال سببها الصحيح ، أو أحد الأسباب المؤثرة فيها أشد التأثير ، ولم يستثنوا من ذلك حروب اوربة الدينية ولا حروبها الصليبية للاسلام بل نشر منذ سنتين كتاب عربي طبع في القدس موضوعه ( الحركات الفكرية في الاسلام ) زعم مؤلفه « 1 » تابعا لبعض مؤرخي الإفرنج : ان الاسلام لم يكن فكرة دينية محضا بل كان مسألة اقتصادية واجتماعية أيضا ، أو كان هذا هو الغرض الأول المقصود بالذات منه ولم يكن الدين الاوسيلة له ونقل عن ( كايتاني ) المؤرخ الإيطالي المشهور ان الاسلام لم يكن دينيا إلا في الظاهر ، وان جوهره كان سياسيا واقتصاديا ( قال ) « ومن فضل مؤسس الدين الاسلامي ومظاهر عبقريته انه أدرك مصدر الحركة الاقتصادية والاجتماعية التي ظهرت في أيامه بمكة عاصمة الحجاز ، وعرف كيف يستفيد منها ويسخرها لأغراضه السامية دينية كانت أو اجتماعية » ثم بسط ذلك من طريق ظواهر التاريخ بما هو باطل في نفسه ، خادع
--> ( 1 ) هو بند لي جوزي السوري الروسي التابعية أحد أساتذة جامعة باكو الروسية