الشيخ محمد رشيد رضا
29
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ببعض مظاهره ، وما أظن أن الناقل عنه - وهو نصراني الديانة ، شيوعي السياسة - يعتقد اعتقاده هذا ، وانما يريد فيما يظهر نشر الشيوعية التي ابتدعها بلا شفة دولته الروسية في العرب ، وزلزلة العقائد الاسلامية في المسلمين ، وربما نجد فرصة للرد على كتابه في المنار ، وحسبي هنا أن أقول لو كان الاسلام كما ذكر لظهر أثره في أعلم الناس بحقيقته ، وأصدقهم في إقامة أركانه بالعلم والعمل ، وفي طليعتهم الخلفاء الراشدون ، والأئمة المجتهدون ، وقد قال عمر بن عبد العزيز الجامع بين الإمامتين في كتاب له إلى بعض عماله الماليين « إن محمدا ( ص ) بعث هاديا ، ولم يبعث جابيا » والحق ان الاسلام هو الدين الوسط ، الجامع بين مصالح الروح والجسد ، للسيادة في الدنيا والسعادة في الآخرة ، فهو وسط بين اليهودية المالية الدنيوية ، والنصرانية الروحانية الزهدية « 1 » وان من مقاصده الاصلاحية في الاجتماع البشري هداية الناس إلى العدل والفضل في أمر المال ، ليكتفي الناس شر طغيان الأغنياء ، وذلة الفقراء ، ونصوص القرآن والسنة في هذا هي الغاية القصوى في الاصلاح ، وهي هادمة لمزاعم هؤلاء المفتاتين على الاسلام بالجهل والهوى ، غلا عباد المال من اليهود والإفرنج في جمعه واستغلاله ، واستعباد الألوف وألوف الألوف من العمال الفقراء به ، بجعله دولة بينهم ، وغلا خصومهم من الاشتراكيين في مقاومتهم ومحاولة جعل الناس فيه شرعا ، وجعله بينهم حقا شائعا ، فانتهى هذا الغلو بالشيوعية الروسية في عصرنا أن استعبدت أكثر من مائة الف من البشر تسخرهم في تنفيذ مذهبها كالانعام والدواب ، وتبذل جل ما تنتزعه من ثروتهم في بث الدعاية له في جميع الأقطار . ويخشى العقلاء من عاقبة هذا الاسراف والغلو من الجانبين حربا عامة طامة ، وفتنة لا تصيبن الذين ظلموا منهم خاصة ولا منقذ للأمم من هذه الفتنة وعواقبها إلا بدين الاسلام - أعني بالتدين به والعمل بأحكامه المالية وغيرها ، ولا يمكن التزامها بالعمل إلا باذعان الدين ، وقد بدأ عقلاء الإفرنج يشعرون بالحاجة إلى دين معقول يصلح بالتزامه فساد هذه المدنية المادية ، وان يجدوا حاجتهم إلا في دين القرآن ، وسنة خاتم النبيين
--> ( 1 ) راجع تفسير ( 2 : 143 وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً ) ص 3 ج 2 تفسير