الشيخ محمد رشيد رضا

294

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

* * * ( 3 ) إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ، ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ، ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ؟ افتتح السورة بذكر آيات الكتاب ، الناطق بالحكمة وفصل الخطاب ، وأنكر على الناس عجبهم أن يوحي ربهم إلى رجل منهم أن يعلمهم به ما لا يعلمون من الدين الذي فيه سعادتهم ، منذرا من كفر بالعقاب ، ومبشرا من آمن بالثواب ، وحكى عن الكافرين وصفهم لهذا الكتاب الحكيم وللرسول الذي جاء به بالسحر ، إذ كان كل منهما من خوارق العادات ، وقد وجد في البشر مشعوذون ودجالون يأتون بعض الخوارق التي لا يعرف الجماهير أسبابها ، فرأوا أن هذا الكتاب المعجز للبشر بأسلوبه وبلاغته ، وبعلمه وحكمته ، وبتأثيره في العقول والقلوب ، يصبح أن يكون أو يوصف بأنه من هذا السحر المعهود وجوده ، المجهول سببه ، وان هذا الرجل الذي جاء به ولم يعرف عنه قبله شيء من بلاغة القول ، ولا من حكمة التشريع والعلم ، يصح أن يعد منتحلا للسحر ، ولكن السحر لم يكن في يوم من الأيام حقائق علمية ولا هداية نافعة كما تقدم ، والسحرة لم يكونوا إلا أناسا من المكتسبين باطلاع الناس على غرائبهم المجهولة لهم ، فأين هذا وذاك من القرآن ومن جاء به ، من حقائق ساطعة وهو لا يسأل عليها أجرا ، ولا يبتغي بها لنفسه نفعا هي باقية بنفسها وبآثارها النافعة ، والسحر باطل لابقاء له ؟ فالمتعين عند العقل أن يكون ما فيها من العلو على كلام البشر ، والاعجاز الذي قامت به الحجة بالتحدي ، وحيا من رب العالمين ، ونعمة منه عليهم بهداية الدين ، الذي هو لجملتهم ، كالعقل لافرادهم ، ووجب على كل من يؤمن بهذا الرب العليم الحكيم ، البر الرحيم ، أن يؤمن بأن هذا من حكمة ربوبيته ورحمته بالعالمين ، وإلا كانت صفاته ناقصة بحرمان هذا الانسان ، من هذا النوع الأعلى من العرفان ، والبينات من الهدى والفرقان ، ولذلك قفى حكاية عجبهم وما عللوه به ، من التذكير بالحجة التي تنقضه من أساسه ، فقال عز وجل