الشيخ محمد رشيد رضا

295

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ هذه الآية دليل على تفنيدهم في عجبهم من وحي القرآن ، وبيان للربوبية التي يقتضي كمالها ثبوته وبطلان الشرك ، والخطاب فيها للناس الذين عجبوا أن يوحى إلى رجل منهم ما فيه هدايتهم بأسلوب الالتفات المنبه للذهن ، يقول لهم إن ربكم هو اللّه الذي خلق العوالم السماوية التي فوقكم وهذه الأرض التي تعيشون عليها في ستة أزمنة تم في كل يوم منها طور من أطوارها ، فان اليوم في اللغة هو الوقت الذي يحده حدث يحدث فيه ، وان كان ألوف السنين من أيام هذه الأرض الفلكية التي وجدت بعد خلقها ، أي أوجدها كلها بمقادير قدرها فان الخلق في اللغة التقدير ، ثم استوى على عرشه الذي جعله مركز التدبير ، لهذا الملك الكبير ، استواء يليق بعظمته وجلاله ، وتنزيهه وكماله ، يدبر أمر ملكه ، بما اقتضاه علمه من النظام ، وحكمته من الاحكام ، فالاستواء على العرش بعد خلقهما ، وهو مخلوق له من قبلهما ، شأن من شؤونه فيما لا نعلم كنهه ولا صفته من تدبير هذا الملك ، وكل يوم هو في شان ، لا يدرك كنه شؤونه إنس ولا جان ، والتدبير في أصل اللغة التوفيق بين أوائل الأمور ومباديها ، وأدبارها وعواقبها ، بحيث تكون المبادي مؤدية إلى ما يريد من غاياتها ، كما أن تدبر الامر أو القول هو التفكر في دبره وهو ما وراءه وما يراد منه وينتهي اليه . ووجه دلالة هذه الجملة على ما ذكر أن الرب الخالق المدبر لجميع أمور الخلق لا يستنكر من تربيته لعباده وتدبيره لأمورهم أن يفيض ما شاء من علمه على من اصطفى من خلقه ، ما يهديهم به لما فيه كمالهم وسعادتهم من عبادته وشكره وصلاح أنفسهم ، بل يجب على العاقل العالم بهذا التدبير والتقدير الذي تشهد به آياته تعالى في السماوات والأرض ، أن يؤمن بأن هذا الوحي منه عز وجل ، إذ هو من كمال تقديره وتدبيره ، ولا يقدر عليه غيره . وقد ذكرنا في تفسير آية الأعراف التي بمعنى هذه الآية ( 7 : 54 ) الاختلاف بين علماء الكلام المبتدع وأئمة السلف وأتباعهم من علماء الأثر في مسألة الاستواء على العرش وأشباهها من آيات علو الخالق تعالى فوق خلقه وسائر صفاته وحققنا أن مذهب السلف هو الحق الجامع بين النقل والعقل