الشيخ محمد رشيد رضا
285
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
فنزل القرآن يقول ( لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ : مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً * وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً ) ويقول ( فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ) الآية وفيها الوعد الصريح بدخول الفريقين جنات تجري من تحتها الأنهار ( 4 ) كان بعض البشر يحتقرون المرأة فلا يعدونها أهلا للاشتراك مع الرجال في المعابد الدينية والمحافل الأدبية ، ولا في غيرهما من الأمور الاجتماعية والسياسية والارشادات الاصلاحية ، فنزل القرآن يصارحهم بقوله تعالى ( 9 : 71 وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ ) الآية ثم قال ( 72 وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ، ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) فراجع تفسيرهما في ص 541 من جزء التفسير العاشر ( 5 ) كان بعض البشر يحرمون النساء من حق الميراث وغيره من التملك وبعضهم يضيق عليهن حق التصرف فيما يملكن ، فأبطل الاسلام هذا الظلم وأثبت لهن حق التملك والتصرف بأنفسهن في دائرة الشرع ، قال اللّه تعالى ( لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً ) وقال ( لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ ) ونحن نرى أن دولة الولايات المتحدة الاميريكية لم تمنح النساء حق التملك والتصرف إلا من عهد قريب في عصرنا هذا ، وأن المرأة الفرنسية لا تزال مقيدة بإرادة زوجها في التصرفات المالية والعقود القضائية ، وقد منحت المرأة المسلمة هذه الحقوق منذ ثلاثة عشر قرنا ونصف قرن ( 6 ) كان الزواج في قبائل البدو وشعوب الحضارة ضربا من استرقاق الرجال للنساء فجعله الاسلام عقدا دينيا مدنيا لقضاء حق الفطرة بسكون النفس من اضطرابها الجنسي بالحب بين الزوجين وتوسيع دائرة المودة والألفة بين العشيرتين واكتمال عاطفة الرحمة الانسانية وانتشارها من الوالدين إلى الأولاد ، على ما أرشد