الشيخ محمد رشيد رضا

245

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

فوق قوى الكون والسنن والأسباب التي قام بهما نظام كل شيء في العالم ، فرب هذا السلطان هو فاطر السماوات والأرض وما فيهما ، والمصدر الذاتي للنفع والضر المحركين لشعور التعبد الفطري ، وطلب العرفان الغيبي ، فالعبادة الفطرية هي التوجه الوجداني إلى هذا الرب الغيبي في كل ما يعجز الانسان عنه من نفع يحتاج اليه ويعجز عنه بكسبه ، ودفع ضر يمسه أو يخافه ويرى أنه يعجز عن دفعه بحوله وقوته ، وفي كل ما تشعر فطرته باستعدادها لمعرفته والوصول اليه مما لا نهاية له . وأعني بالانسان جنسه فما يعجز عنه المرء بنفسه دون أبناء جنسه فإنه يعده من مقدوره ، ويعد مساعدة غيره له من جنس كسبه ، فطلبه للمساعدة من أمثاله ليس فيها معنى التعبد عند أحد من البشر - فتعظيم الفقير للغني بوسائل استجدائه ، وخضوع الضعيف للقوي لاستنجاده واستعدائه على أعدائه ، وخنوع السوقة للملك أو الأمير لخوفه منه أو رجائه - لا يسمى شيء من ذلك عبادة في عرف أمة من الأمم ولا ملة من الملل ، وإنما روح العبادة الفطرية ومخها هو دعاء ذي السلطان العلوي والقدرة الغيبية التي هي فوق ما يعرفه الانسان ويعقله في عالم الأسباب ، ولا سيما الدعاء عند العجز والشدائد قال صلّى اللّه عليه وسلّم « الدعاء هو العبادة » « 1 » هكذا بصيغة الحصر أي هو الركن المعنوي الأعظم فيها لأنه روحها المفسر برواية « الدعاء مخ العبادة » « 2 » وكل تعظيم وتقرب قولي أو عملي لصاحب هذه القدرة والسلطان فهو عبادة له - هذا أصل دين الفطرة الغريزي في البشر وعلى هذا الأصل يبني الدين التعليمي التشريعي الذي هو وضع إلهي يوحيه اللّه إلى رسله لئلا يضل عباده بضعف اجتهادهم واختلافهم في العمل بمقتضى غريزة الدين كما وقع بالفعل ، ولا يقبله البشر بالاذعان والوازع النفسي إلا إذا كان الملقن لم إياه مؤيدا في تبليغه وتعليمه من صاحب ذلك السلطان الغيبي الأعلى والتصرف الذاتي المطلق في جميع العالم ، الذي تخضع له الأسباب والسنن فيه وهو لا يخضع لها ، وهو اللّه رب العالمين ، وقد شرحنا هذه الحقيقة مرارا وبينا في مواضع من

--> ( 1 ) رواه أحمد وابن أبي شيبة والبخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن الأربعة وغيرهم عن النعمان بن بشير ( 2 ) رواه الترمذي عن انس