الشيخ محمد رشيد رضا

246

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

التفسير والمنار معنى كون الاسلام دين الفطرة ، وانه شرع لتكميل استعداد البشر للرقي في العلم والحكمة ، ومعرفة اللّه عز وجل المعدة إياهم لسعادة الآخرة ، فليس فيه شيء يصادمها فهذا الدين التعليمي حاجة من حاج الفطرة البشرية لا يتم كمالها النوعي بدونه ، فهو لنوع الانسان كالعقل لأفراده كما حققه شيخنا الأستاذ الامام ( 2 ) الاسلام دين العقل والفكر تقرأ قاموس الكتاب المقدس فلا تجد فيه كلمة « العقل » ولا ما في معناها من أسماء هذه الغريزة البشرية التي فضل الانسان بها جميع أنواع هذا الجنس الحي كاللب والنهى ، ولا أسماء التفكر والتدبر والنظر في العالم التي هي أعظم وظائف العقل ، ولا ان الدين موجه اليه ، وقائم به وعليه . اما ذكر العقل باسمه وأفعاله في القرآن الحكيم فيبلغ زهاء خمسين مرة ، وأما ذكر أولي الألباب ففي بضع عشرة مرة ، وأما كلمة أولي النهى اي العقول فقد جاءت مرة واحدة من آخر سورة طه أكثر ما ذكر فعل العقل في القرآن قد جاء في الكلام على آيات اللّه وكون المخاطبين بها والذين يفهمونها ويهتدون بها هم العقلاء ، ويراد بهذه الآيات في الغالب آيات الكون الدالة على علم اللّه ومشيئته وحكمته ورحمته ، كقوله تعالى ( 2 : 164 إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) ويلي ذلك في الكثرة آيات كتابه التشريعية ووصاياه كقوله في تفصيل الوصايا الجامعة من أواخر سورة الأنعام ( 6 : 151 ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) وكرر قوله ( أَ فَلا تَعْقِلُونَ ) * أكثر من عشر مرار كأمره لرسوله أن يحتج على قومه بكون القرآن من عند اللّه لا من عنده بقوله ( 10 : 16 فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ) وجعل إهمال استعمال العقل سبب عذاب الآخرة بقوله في أهل النار من سورة الملك ( 67 : 10 وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ ) وفي معناه قوله تعالى من سورة الأعراف ( 7 : 179 وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ