الشيخ محمد رشيد رضا

234

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

بل كل ذلك كان بفعل اللّه تعالى بدون سبب كسبي لموسى ( ع . م ) إلا ما يأمره اللّه تعالى به من ضرب البحر أو الحجر بعصاه التي هي آيته الكبرى . ولم يرد لاحد من الأنبياء آية كهذه الآيات فضلا عمن دونهم ، ولا هي مما يحتمل أن يكون بسبب من الأسباب التي تكون لاحد من الناس بالرياضة الروحية أو خواص المادة وقواها وأما المسيح ( ع . م ) فالآيات التي أيده اللّه تعالى بها - على كونها خارقة للعادات الكسبية وعلى خلاف السنن المعروفة للناس - قد يظهر فيها انها كلها أو جلها حدث على سنة اللّه في عالم الأرواح كما كان خلقه كذلك ، فقد حملت أمه به بنفخة من روح اللّه عز وجل فيها - وهو الملك جبريل عليه السّلام - كانت سبب علوقها به بفعلها في الرحم ما يفعل تلقيح الرجل بقدرة اللّه عز وجل . فلا غرو أن كانت مظاهر آياته أعظم من مظاهر سائر الروحيين من الأنبياء والأولياء كالكشف وشفاء بعض المرضى وغير ذلك من التأثير في المادة الذي اشتهر عن كثير منهم . والفرق بينه وبين الروحانيين من صوفية الهنود والمسلمين ان روحانيته عليه السّلام أقوى وأكمل ، وانها لم تكن بعمل كسبي منه بل من أصل خلق اللّه عز وجل له بآية منه كما قال ( 21 : 91 وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ * 23 : 50 وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً ) فآيتهما هي الحمل به وخلقه بنفخ الروح الإلهي ، لا بسبب التلقيح البشري ولا بما قيل من احتمال وجود مادتي الذكورة والأنوثة في رحمها وأعظم آياته الروحانية التي أثبتها له التنزيل ولم ينقلها مؤلفو الأناجيل الأربعة ( وروي أنها منصوصة في إنجيل الطفولية الذي نبذته المجامع الكنسية قبل البعثة المحمدية ففقد من العالم ) هي أنه كان يأخذ قطعة من الطين فيجعلها بهيئة طير فينفخ فيه أي من روحه فيكون طيرا باذن اللّه تعالى ومشيئته . والمروي أنه كان يطير قليلا ويقع ميتا . ودون هذا إحياء الميت الصحيح الجسم القريب العهد بالحياة فان توجيه سيال روحه القوي إلى جثة الميت مع توجيه قلبه إلى اللّه عز وجل ودعائه كان يكون سببا روحانيا لإعادة روحه اليه باذن اللّه ومشيئته ، كما يمس النورذبال السراج المنطفيء فتشتعل أو كما يتصل السلك الحامل للكهربائية الايجابية بالسلك الحامل للكهربائية السلبية بعد انقطاعها فيتألق النور منهما . وقد ثبت عن بعض أطباء هذا العصر إعادة الحياة