الشيخ محمد رشيد رضا

223

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

فصل في الآيات الكونية التي أيد اللّه بها رسله ( وما يشبه بعضها من الكرامات ، وما يشتبه بها من خوارق العادات ، وضلال الماديين والخرافيين فيها ) تكلمنا في القسم الأول من هذا البحث في آيات الأنبياء التي تسميها النصارى بالعجائب ويسميها علماء الكلام منا بالمعجزات ، ويعدونها قسما من خوارق العادات التي جعلوها عدة أقسام ، ونقول هنا كلمة وجيزة في إصلاح الاسلام لضلال البشر فيها ، والصعود بهم أعلى مراقي الايمان ، اللائق بطور الرشد العقلي لنوع الانسان ، والعلم الواسع بسنن الأكوان ، الذي منحوه برسالة محمد خاتم النبيين عليه الصلاة والسّلام ، فنقول : آيات اللّه نوعان آيات اللّه تعالى في خلقه نوعان : ( النوع الأول ) الآيات الجارية على سننه تعالى في نظام الخلق والتكوين وهي أكثرها وأظهرها وأدلها على كمال قدرته وارادته ، وإحاطة علمه وحكمته ، وسعة فضله ورحمته ، ( والنوع الثاني ) الآيات الجارية على خلاف السنن المعروفة للبشر وهي أقلها وربما كانت أدلها عند أكثر الناس على اختياره عز وجل في جميع ما خلق وما يخلق ، وكون قدرته ومشيئته غير مقيدتين بسنن الخلق التي قام بها نظام الكون ، فالسنن مقتضى حكمته واتقانه لكل شيء خلقه ، وقد يأتي بما يخالفها لحكمة أخرى من حكمه البالغة ، ولولا هذا الاختيار لكان العالم كالآلات التي تتحرك بنظام دقيق لا علم لها ولا إرادة ولا اختيار فيه ، كآلة الساعة الصغيرة التي تعرف بها أوقات الليل والنهار ، وآلات البواخر والمعامل الكبيرة ، والماديون المنكرون لوجود الخالق والفلاسفة الذين يسمونه العلة الفاعلة للوجود يعبرون عن هذا النظام بنظرية ( الميكانيكية ) وهم يتكلفون اختراع العلل