الشيخ محمد رشيد رضا

224

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

والأسباب لكل ما يرونه مخالفا لسننه المعروفة ، ويسمون هذه الأمور المخالفة لها بفلتات الطبيعة ، ويقيسون ما لم يظهر لهم تعليله على ما اقتنموا بتعليل له وان لم يقم عليه دليل يثبته ، ويقولون إن ما لم يظهر لنا اليوم فلا بد أن يظهر لنا أو لمن بعدنا غدا سنن اللّه في عالم الشهادة وعالم الغيب ونحن معشر المؤمنين بعالم الغيب وما فيه من الملائكة وهم جند اللّه الأكبر ، وما لهم من التأثير والتدبير في عالم الشهادة المادي باذن اللّه تعالى وتسخيره ، نعتقد أن للّه تعالى سننا في نظام ذلك العالم غير سننه الخاصة بعالم المادة ، وان الانسان هو حلقة الاتصال بين العالمين فجسده ووظائفه الحيوية من عالم الشهادة وروحه من عالم الغيب ، وأنه ما دام في عالم الجسد المادي فان جميع مداركه تكون مشغولة من المادة وسننها وحاجاته الشخصية والنوعية منها بما يحجبه عن عالم الروح الغيبي حتى روحه المتمم لحقيقته ، وانما يكون الظهور والسلطان للروح على الجسد في الحياة الآخرة ، الا من اصطفى اللّه تعالى من رسله وأنبيائه فاعدهم بفضله ورحمته للاتصال بملائكته والتلقي عنهم ، وأظهرهم على ما شاء من غيبه ليبلغوا عباده عنه ما أمرهم به الغيب قسمان حقيقي وإضافي الغيب ما غاب علمه عن الناس وهو قسمان : غيب حقيقي لا يعلمه الا اللّه ، وغيب إضافي يعلمه بعض الخلق دون بعض لأسباب تختلف باختلاف الاستعداد الفطري والعمل الكسبي ، ومن أظهره اللّه على بعض الغيب الحقيقي من رسله فليس لهم في ذلك كسب لأنه من خصائص النبوة غير المكتسبة « 1 » ومن دونهم أفراد من خواص أتباعهم أوتوا نصيبا من الاشراف على ذلك العالم بانكشاف ما للحجاب ، وإدراك ما لشيء من تلك الأنوار ، كان بها ايمانهم برسلهم فوق إيمان أهل البرهان ، وقد روي عن أمير المؤمنين علي كر اللّه وجهه أنه قال : لو كشف الحجاب ما ازددت يقينا

--> ( 1 ) يراجع تحقيق هذا الموضوع بالتفصيل في الصفحة 421 و 456 - 469 من جزء التفسير السابع وملخصه في ص 513 من الجزء التاسع