الشيخ محمد رشيد رضا

222

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وقد انفرد بهذه الحقيقة العادلة المسلمون دون أهل الكتاب الذين لا يؤمنون إلا بأنبياء بني إسرائيل وأبيهم وجدهم على ما يذكرون في كتبهم من عيوب ومنكرات وفواحش يرمونهم بها واما المسلمون فيؤمنون بان رب العالمين ارسل في كل الأمم رسلا هادين مهديين يؤمنون بهم اجمالا وبما قصه القرآن عن بعضهم تفصيلا ، فقد كرم الاسلام بهذا نوع الانسان ، ومهد به السبيل للألفة والاخوة الانسانية العامة التي نبينها بعد ومن المعلوم ببداهة العقل وبنص القرآن ان بعض الأنبياء أفضل من بعض بتخصيص اللّه تعالى وبما كان لكل من نفع العباد وهدايتهم وهي متفاوتة جدا . قال اللّه تعالى ( 2 : 252 تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ ، وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ) ومن المعلوم بالدلائل العقلية والنقلية ان محمدا خاتم النبيين الذي أكمل اللّه به الدين ، وارسله رحمة للعالمين ، هو الذي رفعه اللّه عليهم كلهم درجات كما بيناه في تفسير تلك الآية بالاجمال وفصلناه في هذا البحث أقصد التفصيل وانك لتجد مع هذا انه صلّى اللّه عليه وسلّم قال لاتباعه « لا تفضلوا بين أنبياء اللّه » قاله انكارا على رجل من المسلمين لطم يهوديا لأنه قال : لا والذي اصطفى موسى على البشر . فشكاه إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فغضب غضبا شديدا على صاحبه المسلم وقاله - وبين مزية لموسى عليهما الصلاة والسّلام في الآخرة ثم قال « ولا أقول ان أحدا أفضل من يونس ابن متى » والحديث رواه الشيخان في الصحيحين وفي روايات أخرى للبخاري « لا تخيروا بين الأنبياء » وفي بعضها « لا تخيروني على موسى » والغرض من ذلك كله منع المسلمين من تنقيص أحد من الأنبياء عليهم السّلام ومن التعادي بين الناس ومن الغلو فيه صلّى اللّه عليه وسلّم والا فهو قد قال في تعليل نهيه عن سؤال أهل الكتاب عن شيء « واللّه لو كان موسى حيا بين أظهركم ما حل له الا أن يتبعني » رواه أبو يعلى من حديث جابر