الشيخ محمد رشيد رضا

221

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ( 29 ) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ ، كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ وقد فصلنا ذلك في تفسير سورة البقرة وغيره مرارا ( ومنه ان الشفاعة الثابتة في الأحاديث غير الشفاعة الوثنية المنفية في القرآن ) . وقد كرر هذه المسألة دون تكرار ما قبلها لأنها فرع لها فالاقناع بها أسهل فأنت ترى ان القرآن قد بين حقيقة هذه المسألة التي ضل فيها الملايين من البشر فأشركوا باللّه ما لا يضرهم ولا ينفعهم ، فهل كان هذا مما استمده محمد صلّى اللّه عليه وسلّم من علماء أهل الكتاب فجادوا به عليه وبخلوا به على أقوامهم ؟ أم هو تابع من نفسه وهو يقتضي ان ما ينبع منها أعلى من وحي اللّه لغيره على حسب دعوى أتباع هؤلاء الرسل ؟ كلا إنما هي من وحي اللّه تعالى له الايمان بجميع الرسل وعدم التفرقة بينهم ومما بينه القرآن في مسألة الأنبياء والرسل أنه يجب الايمان بجميع رسل اللّه تعالى وعدم التفرقة بينهم في الايمان ، وان الايمان ببعضهم والكفر ببعض كالكفر بهم كلهم ، لان اضافتهم إلى اللّه تعالى وحده ووظيفتهم في ارشاد المكلفين تبليغ رسالته وشرعه واحدة قال تعالى في خواتيم سورة البقرة ( آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ . لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ) وبين في سورة النساء أن التفرقة بينهم في الايمان هو الكفر حق الكفر ، وأن الايمان بالجميع بغير تفرقة هو الايمان حق الايمان وهو في الآيات ( 4 : 150 - 152 ) وهذا مبني على الايمان بان دين اللّه تعالى الذي ارسل به جميع رسله واحد في مقاصده من هداية البشر واصلاحهم وإعدادهم لسعادة الدنيا والآخرة ، وانما تختلف صور العبادات والشرائع باختلاف استعداد الأقوام ومقتضيات الزمان والمكان . فالايمان ببعضهم دون بعض اتباع للهوى في الايمان وجهل بحقيقة الدين فلا يعتد به لأنه عين الكفر