الشيخ محمد رشيد رضا
220
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
من حقوق اللّه وحده ، وانما النبيون والرسل مبلغون عنه وليسوا بمسيطرين على الأقوام ، وطاعتهم تابعة لطاعته فقد أبطل ما تحلهم الناس من ربوبية التشريع ، كما أبطل عبادتهم وعبادة من دونهم من القديسين ، وبذلك تحرر الانسان من الرق الروحي والعقلي الذي منيت به الأمم المتدينة ولا سيما النصارى ولضلال جميع أهل الملل والنحل في ذلك كرر هذا الاصلاح في كثير من السور بالتصريح بان الرسل بشر مثل سائر البشر يوحي إليهم ، وبأنهم ليسوا إلا مبلغين لدين اللّه تعالى الموحى إليهم ، قال تعالى بخاتمهم المكمل لدينهم في خاتمة سورة الكهف ( 18 : 110 قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ ) الآية وقال في جملتهم من وسطها ( 56 وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ) ومثلها في سورة الأنعام ( 6 : 48 ) وفي معناهما آيات أخرى - بعتهم مبشرين ومنذرين بالقول والعمل والتنفيذ ، وبأنهم لا يملكون للناس ولا لأنفسهم نفعا ولا ضرا ولا هداية ولا نجاة من العقاب على مخالفة شرع اللّه وسننه في خلقه في الدنيا ولا في الآخرة . وقد شرحنا ذلك في تفسير قوله تعالى ( 7 : 187 قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ . إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) وسيأتي نظيرها في الآية 49 من هذه السورة التي نفسرها ، وقد بين ذلك النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بأقواله وأعماله وأخلاقه في العبودية والتواضع بما لا يدع لتأويل الآيات سبيلا . حتى فطن لذلك بعض علماء الإفرنج الأحرار فقال ان محمدا لما رأى خزي النصارى بتأليه نبيهم وعبادته لم يكتف بتلقيب نفسه برسول اللّه حتى أمرهم بان يقولوا « أشهد أن لا إله إلا اللّه وأشهد أن محمدا عبده ورسوله » وأما مسألة الشفاعة التي كان مشركو العرب يثبتونها لمعبوداتهم في الدنيا وأهل الكتاب يثبتونها لأنبيائهم وقد يسيهم في الدنيا والآخرة فقد نفاها القرآن وأبطلها وأثبت أن الشفاعة للّه جميعا وانه لا يشفع عنده أحد إلا باذنه ( 21 : 28 يَعْلَمُ