الشيخ محمد رشيد رضا

215

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ويناسب هذا ما جاء في القرآن من نبأ خراب العالم وقيام الساعة التي هي بدء ما يجب الايمان به من عقيدة البعث والجزاء ولم يوجد له أصل عند أهل الكتاب ولا غيرهم ولا هو مما يمكن أن يكون قد عرفه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بذكائه أو نظرياته العقلية . وجملته ان قارعة . . . والظاهر أنها كوكب - تقرع الأرض وتصخها صخا وترجها رجا فتكون هباء ( غبارا رقيقا ) منبثا في الفضاء . وحينئذ يختل ما يسمى في عرف العلماء بالجاذبية العامة فتتناثر الكواكب الخ وهذا المعنى لم يكن يخطر ببال أحد من علماء الكون ولا من علماء الدين فلا يمكن أن يقال إن محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم سمعه من أحد في بلده أو في سفره ، ولا يعقل أن يكون قاله برأيه وفكره ، فهو من أنباء القرآن الكثيرة التي تدحض زعم القائلين بالوحي النفسي . وقد صرح غير واحد من علماء الهيئة الفلكية المعاصرين بأن خراب العالم بهذا السبب هو أقرب النظريات العلمية لخرابه ( الركن الثالث للدين العمل الصالح ) وأما الركن الثالث من مقاصد بعثة الرسل وهو العمل الصالح فهو مكرر في القرآن في سور كثيرة لاصلاح ما أفسده البشر فيه بجعله تقليديا غير مزك للنفس ولا مصلح لشؤون الاجتماع ، ولكن دون تكرار توحيد اللّه وتقديسه الذي هو الأصل الذي يتبعه غيره ، ولولا الحاجة إلى هذا التكرار في التذكير والتأثير لكانت سورة العصر كافية في الاصلاح العلمي العملي على قصرها ، كسورة الاخلاص في الركن الأول الاعتقادي ، وكل منهما تكتب في سطر واحد فهما من معجزات ايجاز القرآن وهدايته ثم إن العمل الصالح من لوازم الايمان باللّه في الدرجة الأولى لأن من عرف اللّه عرف استحقاقه للحمد والشكر والعبادة والحب والتعظيم ، وهو من لوازم الايمان بالجزاء على الاعمال في الدرجة الثانية خوفا من العقاب ورجاء في الثواب ويدخل في الأعمال الصالحة العبادات التي يتقرب بها إلى اللّه تعالى ، وسائر أعمال البر التي ترضيه بما لها من التأثير في صلاح البشر كبر الوالدين وصلة الرحم واكرام اليتامى والمساكين . ومن أصوله الوصايا الجامعة في آيات سورة الإسراء