الشيخ محمد رشيد رضا

209

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

بل زهاء سبعين بعد سبعين مرة ، لأنه روح العبادة ومخها ، بل هو العبادة التي هي دين الفطرة كله ، وما عداه من العبادات فوضعي تشريعي بعض آيات الدعاء أمر بدعائه تعالى ، وبعضها نهي عن دعاء غيره مطلقا ، ومنها حجج على بطلان الشرك أو على اثبات التوحيد ، ومنها أمثال تصور كلا منهما بالصور اللائقة المؤثرة ، ومنها إخبار بأن دعاء غيره لا ينفع ولا يستجاب ، وان كل من يدعى من دونه تعالى فهو عبد له ، وان أفضلهم وخيارهم كالملائكة والأنبياء يدعونه هو ويبتغون الوسيلة اليه ، ويرجون رحمته ويخافون عذابه ، وانهم يوم القيامة يكفرون بشرك الذين يدعونهم من دون اللّه أو مع اللّه - وأمثال ذلك مما يطول تلخيصه وثم أنواع أخرى من آيات الايمان باللّه تعالى تغذي التوحيد وتصعد بأهله درجات متفاوتة في السمو بمعرفته تعالى والتأله والتوله في حبه من التنزيه والتقديس والتسبيح ، وذكر أسمائه الحسنى ممزوجة ببيان الأحكام الشرعية المختلفة حتى أحكام الطهارة والنساء والإرث والأموال ، وبحكم الخلق والتدبير لأمور العالم ، وسننه في طباع البشر وفي شؤونهم الاجتماعية . ووضع كل اسم منها في الموضع المناسب له من رحمة وعلم وحكمة وقدرة ومشيئة وحلم وعفو ومغفرة وحب ورضا وما يقابل ذلك ، ومن الامر بالتوكل عليه والخوف منه والرجاء في فضله الخ وناهيك بما سرد منها سردا لجذب الأرواح العالية إلى كماله المطلق وفنائها فيه كما تراه في خاتمة سورة الحشر فتأملها ، وفي فاتحة سورة الحديد ( سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) ومنها استمد الأولياء العارفون والأئمة الربانيون تلك الكتب العالية في معرفته تعالى وأسرار خلقه ، بعد ان تربوا بكثرة ذكره ، وتلاوة كتابه بهذا التكرار الذي جعله أسلوب القرآن المعجز مقبولا غير مملول طهر اللّه عقول العرب وقلوبهم من رجس الشرك وخرافات الوثنية ، وزكاها بالأخلاق العالية والفضائل السامية ، وكذا غير العرب ممن آمن باللّه وأتقن لغة كتابه وصار يرتله في عبادته ويتدبر آياته ، حتى إذا دب في الأمة دبيب الجهل بلغة القرآن وقل « تفسير القرآن الحكيم » « 27 » « الجزء الحادي عشر »