الشيخ محمد رشيد رضا

210

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

تدبره واعتمد المسلمون في فهم عقيدتهم على الكتب الكلامية المصنفة ضعف التوحيد واتبعوا سنن من قبلهم شبرا بشبر وذراعا بذراع اعتقادا وعملا ، وتأولا وجدلا ، فصار أدعياء العلم يتأولون تلك الآيات الكثيرة على التوحيد بشبهاتهم وأهوائهم كما هو مشاهد ومعلوم على أن بعض المتكلمين والصوفية قد بالغوا في التوحيد حتى أنكر بعضهم تأثير الأسباب في مسبباتها ، وقال بعضهم بوحدة الوجود ، وانتهى بهم ذلك إلى بدعة الجبر التي أفسدت على أهلها كل شيء ، بيد أن الأولين منهم كانوا يقولون بما يهديهم اليه النظر العقلي ، أو رياضة النفس وما تثمره من الشعور الوجداني ، ثم خلف من بعدهم خلف من المقلدين لاحظ لهم من القرآن ولا من البرهان ولا من الوجدان ، وإنما يتبعون العوام ويتأولون لهم بكلام أمثالهم من المصنفين الجاهلين . ولو فقهوا أقصر سورة في التوحيد والتنزيه كما يجب - وهي سورة الاخلاص - لما وجد الشرك إلى أنفسهم سبيلا قد كان توحيد المسلمين الأولين للّه ومعرفتهم به وحبهم له وتوكلهم عليه هو الذي زكى أنفسهم ، وأعلى هممهم ، وكملهم بعزة النفس ، وشدة البأس ، وإقامة الحق والعدل ، ومكنهم من فتح البلاد وسياسة الأمم ، واعتاقها من رق الكهنة والأحبار والرهبان والبوذات والموبذانات الروحي والعقلي ، وتحريرهم من ظلم الملوك واستبدادهم ، وإقامة دعائم الحضارة ، وإحياء العلوم والفنون الميتة وترقيتها فيهم ، وقد تم لهم من كل ذلك ما لم يقع مثله ولا ما يقاربه لأمة من أمم الأرض ، حتى قال الدكتور غوستاف لوبون المؤرخ الاجتماعي الشهير : ان ملكة الفنون لم يتم تكوينها لأمة من الأمم الناهضة إلا في ثلاثة أجيال ، أولها جيل التقليد وثانيها جيل الخضرمة وثالثها جيل الاستقلال والاجتهاد - قال : إلا العرب وحدهم فقد استحكمت لهم ملكة الفنون في الجيل الأول الذي بدؤا فيه بمزاولتها وأقول إن سبب ذلك تربية القرآن لهم على استقلال العقل والفكر واحتقار التقليد ، وتوطين أنفسهم على إمامة البشر وقيادتها في أمور الدين والدنيا معا ، وقد خفي كل هذا على سلائلهم بعد ذهاب الخلافة الاسلامية وزوال النهضة العربية