الشيخ محمد رشيد رضا

204

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

فسأله سبب هجرته فأخبره الخبر وهو يعرف فضائل أبي بكر من قبل الاسلام فاجاره وأعاده إلى مكة بجواره ، فعاد إلى قراءته ، وعاد النساء والنشء الحديث إلى الاستماع له ، حتى اضطر المشركون ابن الدغنة إلى اقناعه بترك رفع صوته بالقرآن أو يرد عليه جواره ، فرد أبو بكر جواره اكتفاء بجوار اللّه تعالى ، وخبره هذا رواه البخاري في باب الهجرة وأوردناه بطوله في تفسير آية الغار ( ص 436 من الجزء العاشر ) بل هذا التأثير هو الذي حملهم على صد النبي ( ص ) بالقوة عن تلاوة القرآن في البيت الحرام وفي أسواق الموسم ومجامعه ، وعلى تواصيهم بما حكاه اللّه تعالى عنهم في قوله ( وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ) وقد أدرك هذا أحد فلاسفة فرنسة فذكر في كتاب له قول دعاة النصرانية إن محمدا لم يأت بآية على نبوته كآيات موسى وعيسى وقال في الرد عليهم : ان محمدا كان يقرأ القرآن خاشعا أواها متألها فتفعل قراءته في جذب الناس إلى الايمان ما لم تفعله جميع آيات الأنبياء الأولين ( أقول ) ولو كان القرآن ككتب القوانين المرتبة وكتب الفنون المبوبة ، لما كان لقليله وكثيره من التأثير ما كان لسوره المنزلة كان كل ما يطلبه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من قومه أن يمكنوه من تبليغ دعوة ربه بتلاوة القرآن على الناس . قال تعالى مخاطبا له ( 6 : 19 قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً ؟ قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ) أي وأنذر به كل من بلغه من غيركم من الناس . وقال في آخر سورة النحل ( 27 : 91 إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ( 92 ) وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ : فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ ( 93 ) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) ان رؤساء قريش عرفوا من قوة جذب الناس إلى الاسلام بوقعه في أنفسهم ما لم يعرفه غيرهم ، وعرفوا أنه ليس لجمهور العرب مثل ما لهم من أسباب الجحود والمكابرة ، فقال لهم عمه أبو لهب من أول الأمر : خذوا على يديه ، قبل أن تجتمع العرب عليه » ففعلوا . وكان من ثباته على بث الدعوة واحتمال الأذى ما أفضى بهم إلى الاضطهاد وأشد الايذاء له ولمن يؤمن به ، ثم اجماع الرأي على قتله ، حتى