الشيخ محمد رشيد رضا

205

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ألجؤهم إلي الهجرة بعد الهجرة ثم صاروا يقاتلونه في دار هجرته وما حولها ، وينصره اللّه عليهم ، إلى أن اضطروا إلى عقد الصلح معه في الحديبية سنة ست من الهجرة وكان أهم شروط الصلح السماح للمؤمنين بمخالطة المشركين الذي كان سبب سماعهم للقرآن ، ودخولهم بتأثيره في دين اللّه أفواجا ، فكان انتشار الاسلام في أربع سنين بالسلم والأمان ، أضعاف انتشاره في ست عشرة سنة من أول الاسلام فعل القرآن في أنفس المؤمنين كان كل من يدخل في الاسلام قبل الهجرة يلقن ما نزل من القرآن - ليعبد اللّه بتلاوته - ويعلم الصلاة ولم يفرض في مكة من أركان الاسلام غيرها ، فيرتل ما يحفظه في صلاته اقتداء بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم إذ فرض اللّه عليه التهجد بالليل من أول الاسلام قال تعالى في أول سورة المزمل - التي قيل إنها أول ما نزل بعد فترة الوحي وبعدها المدثر وقيل بالعكس - وتقدم الجمع بين الأقوال ( يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ) ثم قال في آخرها ( إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ) أي في صلاة الليل وغيرها ، ثم ذكر الاعذار المانعة من قيام الليل كله ما كان منها في ذلك العهد كالمرض والسفر ، وما سيكون بعد سنين وهو القتال في سبيل اللّه ومما ورد في صفة الصحابة ( رض ) أن الذي كان يمر ببيوتهم ليلا يسمع منها مثل دوي النحل من تلاوة القرآن ، وقد غلا بعضهم فكان يقوم الليل كله حتى شكا منهم نساؤهم فنهاهم النبي ( ص ) عن ذلك ، وكان هو يصلي في كل ليلة ثلاث عشرة ركعة يوتر بواحدة منهن ، وما قبلها مثنى مثنى ، وكان هو يطيل فيهن حتى تورمت قدماه من طول القيام فأنزل اللّه عليه مرّفها ومسليا ( طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى ) فتربية الصحابة التي غيرت كل ما كان بأنفسهم من مفاسد الجاهلية وزكتها تلك التزكية التي أشرنا إليها انفا وأحدثت أعظم ثورة روحية اجتماعية في التاريخ