الشيخ محمد رشيد رضا

203

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

جوار أو ذمة ، فهؤلاء الرؤساء المترفون المسرفون المتكبرون كانوا أعلم الناس بصدق محمد وفيهم نزل قوله تعالى ( فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ) فقد كابروا الحق بغيا واستكبارا للحرص على رياستهم وشهواتهم ، وكانوا أجدر العرب بقبول دعوة القرآن ( وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا ) كفرعون وقارون وهامان فعل القرآن في مشركي العرب قلنا إن فعل القرآن في أنفس العرب كان على نوعين : فعله في المشركين ، وفعله في المؤمنين ، فالأول تأثير روعة بلاغته ودهشة نظمه وأسلوبه ، الجاذب لفهم دعوته والايمان به ، إذ لا يخفى حسنها على أحد فهمها ، وكانوا يتفاوتون في هذا النوع تفاوتا كبيرا لاختلاف درجاتهم في بلاغة اللغة وفهم المعاني العالية فهذا التأثير هو الذي أنطق الوليد بن المغيرة المخزومي بكلمته العالية فيه لأبي جهل التي اعترف فيها بأنه الحق الذي يعلو ولا يعلى ، والذي يحطم ما تحته ، ( راجع ص 189 ) وكانت كلمة فائضة من نور عقله وصميم وجدانه ، وما استطاع أن يقول كلمة أخرى في الصد عنه بعد إلحاح أبي جهل عليه باقتراحها إلا بتكلف لمكابرة عقله ووجدانه ، وبعد أن فكر وقدر ، ونظر وعبس وبسر ، وأدبر واستكبر ، كما يعلم من سورة المدثر وسبب نزول قوله تعالى ( ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً ) الآيات منها وهذا التأثير هو الذي كان يجذب رؤوس أولئك الجاحدين المعاندين ليلا لاستماع تلاوة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في بيته ، على ما كان من نهيهم عنه ونأيهم عنه ، وتواصيهم وتقاسمهم لا يسمعن له ، ثم كانوا يتسللون فرادى مستخفين ، ويتلاقون في الطريق متلاومين ، وهذا التأثير هو الذي حملهم على منع أبي بكر الصديق ( رض ) من الصلاة والتلاوة في المسجد الحرام ليلا لما كان لتلاوته وبكائه في الصلاة من التأثير الجاذب إلى الاسلام ، وعللوا ذلك بأنه يفتن عليهم نساءهم وأولادهم ، فاتخذ مسجدا له بفناء داره فطفق النساء والأولاد الناشئون ينسلون إلى بيته ليلا لاستماع القرآن ، فنهاه أشراف المشركين بان العلة لا تزال ، وانهم يخشون أن يغلبهم نساؤهم وأولادهم على الاسلام ، وكانوا ألجأوه إلى الهجرة فهاجر فلقي في طريقه ابن الدغنة سيد قومه