الشيخ محمد رشيد رضا
202
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
( فعل القرآن في أنفس العرب المستعدة له نوعان ) بيان ذلك ان فعل القرآن في أنفس العرب وإحداثه تلك الثورة الكبرى فيهم قد كان على نوعين أولهما جذبه الناس إلى الاسلام ، وثانيهما تزكيتهم وتغيير كل ما كان بأنفسهم من جهل وفساد إلى ضده ، حتى اعقب ما أعقب من الاصلاح في العالم كله وهاك التفصيل الذي يحتمله المقام لذلك بينا مرارا ان اللّه تعالى قد أعد الأمة العربية ولا سيما قريش ومن حولها لما أراده من الاصلاح العام للبشر بكونهم كانوا أقرب الأمم إلى سلامة الفطرة ، وأرقاهم لغة وأقواهم استقلالا في العقل والإرادة ، لعدم وجود ملوك مستبدين ورؤساء دين أولي سلطان روحي يتحكمون في عقائدهم وأفكارهم ويسخرونهم لشهواتهم فلما بعث فيهم محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بهذا القرآن الداعي إلى الحق وإلى صراط مستقيم كانوا على أتم الاستعداد الفطري لقبول دعوته ، ولكن رؤساء قريش كانوا على مقربة من ملوك شعوب العجم في التمتع بالثروة الواسعة والعظمة الكاذبة والشهوات الفاتنة والسرف في الترف ، وعلى حظ مما كان عليه رؤساء الأديان فيها من المكانة الدينية بسدانتهم لبيت اللّه الحرام الذي أودع اللّه تعظيمه في القلوب من عهد إبراهيم وإسماعيل - فرأوا ان هذا الدين يسلبهم الانفراد بهذه العظمة الموروثة ، وقد يفضل عليهم بعض الفقراء والموالي ، وانه يحكم عليهم وعلى من يفاخرون بهم من آبائهم بالكفر والجهل والظلم والفسوق ويشبههم بسائمة الانعام - فوجهوا كل قواهم ونفوذهم إلى صد محمد عن دعوته ولو بتمليكه عليهم ، وجعله أغنى رجل فيهم ، ولكن تعذر إقناعه بالرجوع عنها بالترغيب ، حتى التمويل والتمليك ، فقد أجاب عمه أبا طالب لما عرض عليه ما أرادوه من ذلك بتلك الكلمة العليا « يا عم واللّه لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الامر حتى يظهره اللّه أو أهلك فيه ما تركته » حينئذ أجمعوا أمرهم على صده عن تبليغها بالقوة ، والحيلولة بينه وبين جماهير الناس في الأسواق والمجامع والبيت الحرام ، وبصد الناس عنه أن يأتوه ويستمعوا له ، وباضطهاد من اتبعه بالدعوة الفردية ، الا أن يكون له من يحميه منهم لقرابة أو