الشيخ محمد رشيد رضا
193
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
هو النبي الذي يتحدثون عنه ، ولكن هذه الروايات لا يصل شيء منها إلى درجة المسند الصحيح كحديث بدء الوحي الذي أوردناه آنفا ، فان قيل إنه يقويه حلفها باللّه ان اللّه تعالى لا يخزيه أبدا ، قلنا إنها عللت ذلك بما ذكرته من فضائله ، ورأت انها في حاجة إلى استفتاء ابن عمها أمية في شأنه . واما اختلاؤه صلّى اللّه عليه وسلّم وتعبده في الغار عام الوحي فلا شك في أنه كان عملا كسبيا مقويا لذلك الاستعداد الفطري ، ولذلك الاستعداد السلبي من العزلة وعدم مشاركة المشركين في شيء من عباداتهم ولا عاداتهم ، ولكنه لم يكن بقصد الاستعداد للنبوة ، لأنه لو كان لأجلها لأعتقد حين رأى الملك أو عقب رؤيته حصول مأموله وتحقق رجائه ، ولم يخف منه على نفسه ، وانما كان الباعث لهذا الاختلاء والتحنث اشتداد الوحشة من سوء حال الناس والهرب منها إلى الانس باللّه تعالى ، والرجاء في هدايته إلى المخرج منها ، كما بسطه شيخنا الأستاذ الامام في تفسير قوله تعالى من سورة الضحي ( وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى ) وما يفسره من قوله عز وجل في سورة الشورى ( 42 : 51 وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ، ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ * 52 صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ ) وألم به في رسالة التوحيد الماما مختصرا مفيدا ، فقال رحمه اللّه تعالى : « من السنن المعروفة أن يتيما فقيرا أميا مثله تنطبع نفسه بما تراه من أول نشأته إلى زمن كهولته ، ويتأثر عقله بما يسمعه ممن يخالطه لا سيما ان كان من ذوي قرابته ، وأهل عصبته ، ولا كتاب يرشده ، ولا أستاذ ينبهه ، ولا عضد إذا عزم يؤيده ، فلو جرى الامر فيه على جاري السنن لنشأ على عقائدهم ، وأخذ بمذاهبهم ، إلى أن يبلغ مبلغ الرجال ، ويكون للفكر والنظر مجال ، فيرجع إلى مخالفتهم ، إذا قام له الدليل على خلاف ضلالاتهم ، كما فعل القليل ممن كانوا على عهده « 1 » ولكن الامر لم يجر على سنته ، بل بغضت اليه الوثنية من مبدأ عمره ، فعاجلته طهارة العقيدة ، كما بادره
--> ( 1 ) كامية بن أبي الصلت وعمرو بن نقيل