الشيخ محمد رشيد رضا

194

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

حسن الخليقة ، وما جاء في الكتاب من قوله ( وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى ) لا يفهم منه أنه كان على وثنية قبل الاهتداء إلى التوحيد ، أو على غير السبيل القويم ، قبل الخلق العظيم ، حاش للّه ان ذلك لهو الافك المبين ، وانما هي الحيرة تلم بقلوب أهل الاخلاص ، فيما يرجون للناس من الخلاص . وطلب السبيل إلى ما هدوا اليه من انقاذ الهالكين ، وارشاد للضالين ، وقد هدى اللّه نبيه إلي ما كانت تتلمسه بصيرته باصطفائه لرسالته ، واختياره من بين خلقه لتقرير شريعته » اه ( أقول ) وجملة القول إن استعداد محمد صلّى اللّه عليه وسلّم للنبوة والرسالة عبارة عن جعل اللّه تعالى روحه الكريمة كمرآة صقيلة حيل بينها وبين كل ما في العالم من التقاليد الدينية ، والآداب الوراثية والعادات المكتسبة ، إلى أن تجلى فيها الوحي الإلهي بأكمل معانيه ، وأبلغ مبانيه ، لتجديد دين اللّه المطلق الذي كان يرسل به رسله إلى أقوامهم خاصة بما يناسب حالهم واستعدادهم ، وجعل بعثة خاتم النبيين به للبشر عامة دائمة لا يحتاجون بعدها إلى وحي آخر ، فكان في فطرته السليمة وروحه الشريفة ، وما نزل عليها من المعارف العالية ، وما أشرق فيها من نور اللّه عز وجل الذي تلوته عليك من آخر سورة الشورى - هو مضرب المثل في قوله تعالى في سورة النور ( 24 : 35 اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ ، الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ ، زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ ، يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ ، نُورٌ عَلى نُورٍ ، يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) فزيت مصباح المعارف المحمدية ، يوقد من زيتونة لا شرقية ولا غربية ، ولا يهودية ، ولا نصرانية ، بل هي الهية علوية هذا ما نراه كافيا لتفنيد مزاعم مصوري الوحي النفسي من ناحية شخص محمد واستعداده ، ويتلوه ما هو أقوى دليلا ، وأقوم قيلا ، وهو تفنيده بموضوع الوحي الذي هو آية نبوته الخالدة ، وحجته الناهضة ، وهو القرآن العظيم