الشيخ محمد رشيد رضا
192
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الكاملة يقود أصحابه لقتال أعداء اللّه وأعدائه المعتدين عليه وعليهم لأجل صدهم عن دينهم ، ولكنه لم يقتل بيده إلا رجلا واحدا منهم ( هو أبي بن خلف ) كان موطنا نفسه على قتله صلّى اللّه عليه وسلّم فهجم عليه وهو مدجج بالحديد من مغفر ودرع فلم يجد صلّى اللّه عليه وسلّم بدا من قتله فطعنه في ترقوته من خلل الدرع والمغفر ، وظل طول عمره وبعد ما أفاء اللّه عليه من غنائم المشركين واليهود يؤثر القشف وشظف العيش على نعمته ، مع إباحة شرعه لا كل الطيبات ونهيه لمن كان يتركها تدينا ، ويرقع ثوبه ويخصف نعله ، مع إباحة دينه للزينة وأمره بها عند كل مسجد ، وكان يأكل ما وجد لا يعيب طعاما قط ، الا أنه كان لا يشرب إلا الماء العذب النقي وأكمل اللّه تعالى استعداده الذاتي « لا الكسبي » للبعثة باكمال دين النبيين والمرسلين ، والتشريع الكافي الكافل لاصلاح جميع البشر إلى يوم الدين ، وجعله حجة على جميع العالمين ، بأن أنشأه كأكثر قومه أميا وصرفه في أميته عن اكتساب أي شئ من علوم البشر من قومه العرب الأميين ومن أهل الكتاب ، حتى أنه لم يجعل له أدنى عناية بما يتفاخر به قومه من فصاحة اللسان ، وقوة البيان ، من شعر وخطابة ، ومفاخرة ومنافرة ، إذ كانون يؤمون أسواق موسم الحج وأشهرها عكاظ من جميع النواحي لاظهار بلاغتهم وبراعتهم ، فكان ذلك أعظم الأسباب لارتقاء لغتهم ، ولوجود الحكمة في شعرهم ، فكان من الغريب أن يزهد في مشاركتهم فيه بنفسه ، وفي روايته لما عساه يسمعه منه ، وقد سمع بعد النبوة زهاء مائة قافية من شعر أمية فقال « ان كاد ليسلم » وقال « آمن شعره وكفر قلبه » وقال « ان من البيان لسحرا ، وان من الشعر حكما » رواه أحمد وأبو داود من حديث ابن عباس ، وأما قوله « ان من البيان لسحرا » فقد رواه مالك وأحمد والبخاري وأبو داود والترمذي من حديث ابن عمر قلنا إن استعداد محمد صلّى اللّه عليه وسلّم للنبوة والرسالة فطري لم يكن فيه شيء من كسبه بعلم ولا عمل لساني ولا نفسي ، ولم يرو عنه انه كان يرجوها كما روي عن أمية ابن أبي الصلت ، بل روي عن خديجة ( رض ) انها لما سمعت من غلامها ميسرة أخبار أمانته وفضائله وكراماته وما قاله بحيرا الراهب فيه تعلق أملها بأن يكون