الشيخ محمد رشيد رضا
181
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
فأخذني فغطني « 1 » حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ ، قلت ما أنا بقاريء ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ منى الجهد ، ثم أرسلني فقال اقرأ ، فقلت ما أنا بقاريء ، فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني ، فقال ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ) « 2 » فرجع بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يرجف فؤاده فدخل على خديجة بنت خويلد رضي اللّه عنها فقال « زملوني زملوني » فزملوه حتى ذهب عنه الروع فقال لخديجة وأخبرها الخبر « لقد خشيت على نفسي » « 3 » فقالت خديجة كلا واللّه ما يخزيك اللّه أبدا « 4 » إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري
--> ( 1 ) فسروا الغط بالضم الشديد الضاغط فقالوا أي ضمني وعصرني وفي رواية الطبري للحديث فغتني بالمثناة الفوقية وعليها ابن هشام وهي بمعنى غطني وأصل معناهما الغمس في الماء وضيق النفس وحكمة هذا الغط تقوية روحانية النبي ( ص ) حتى يقوى على الاتصال بالملك والفهم منه ( 2 ) اختصره هنا وزاد في التفسير ( الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ ) ( 3 ) اختلف العلماء في خوفه ( ص ) على نفسه فقيل خشي الجنون وان يكون ما رآه من الجن وقد أنكره ورده القاضي أبو بكر بن العربي ووافقه الحافظ ابن حجر ولكن الحافظ قال إنه روي من عدة طرق أقول وهو الظاهر مما أجابته به خديجة واستشكل بان الوحي يكون مقترنا بعلم قطعي بأنه من اللّه وان الملقن له من الملائكة وأجيب بأن هذا العلم الضروري يحصل باستعراف الملك له واعلامه إياه بذلك عند تلقينه الامر بالتبليغ وانما كان ظهور الملك له هي المرة لأجل الايناس والاعداد لتلقي وحي الاحكام ، والامر فيه بالقراءة للتكوين لا للتكليف ، والا كان من تكليف ما لا يطاق . وقيل إنه خاف على نفسه الموت أو الهلاك وهو قريب وثم أقوال أخرى متكلفة . وهو على كل حال يدل على أنه ( ص ) لم يفهم من هذه الرؤية انه صار نبيا ولا ان الذي رآه هو ملك الوحي جبريل عليه السّلام ويؤيد ذلك مسألة ورقة ( 4 ) الخزي الذل والهوان وأخزاه أذله واهانه . والكل بالفتح المتعب ( بفتح العين ) ومن هو عالة على غيره ، وحمله اعطاؤه راحلة يركبها أو حمل اثقاله ، وتكسب بفتح التاء وضمها لغة ورواية ، والمعدوم المفقود ولا يظهر معناه الا بتكلف وقال الخطابي الصواب المعدم وهو الفقير الفاقد لما يكفيه ، والإعانة على نوائب الحق كلمة جامعة لكل اعمال البر والنجدة والمروءة فيما عدا الباطل