الشيخ محمد رشيد رضا
180
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وان جبينه ليتفصد عرقا « 1 » حدثنا يحيى بن بكير قال حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة ابن الزبير عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت أول ما بدئ به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم « 2 » فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ، ثم حبب اليه الخلاء وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه « 3 » - وهو التعبد - الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك ، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها ، حتى جاءه الحق « 4 » وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال اقرأ قال ما أنا بقاريء « 5 » قال
--> ( 1 ) كان من هذه الشدة عليه ما قاله العلامة ابن القيم في زاد المعاد : حتى أن راحلته لتبرك به إلى الأرض إذا كان راكبها ولقد جاءه مرة كذلك وفخذه على فخذ زيد بن ثابت فثقلت عليه حتى كادت ترضها اه ( 2 ) أكثر الرؤى أضغاث أحلام لها أسباب تثيرها في خيال النائم ، والرؤيا الصالحة عبارة عن نوع من انكشاف الحقائق للنفس المستعدة لادراكها بما يكون وقت النوم من صفائها بعدم اشتغالها بمدركات الحواس وما تثيرها من الخواطر والافكار ، ورؤيا الأنبياء قبل وحي التشريع تمهيد وتأنيس للنفس تقوي استعدادها لتلقى الكلام الإلهي ( 3 ) أصل التحنث اتقاء الحنث أي الذنب أو مقلوب التحنف وهو اتباع الحنيفية ملة إبراهيم . وهو رواية ابن هشام . وقوله وهو التعبد ، جملة تفسيرية لراوي الحديث وهو ابن شهاب الزهري فهو مدرج في الحديث والليالي ظرف متعلق بيتحنث ( 4 ) وفي رواية فجئه الحق أي بغته والمراد به الوحي الصريح الذي هو من كلام اللّه تعالى ، وهذه الرواية الثابتة في الصحيحين صريحة في أن هذا كان في اليقظة ، وفي سيرة ابن هشام أن جبريل جاءه في المنام ، وهي من مراسيل عمرو بن عبيد وهو ثقة وله صحبة ولكن رواية الصحيحين المسندة هي المعتمدة ، وجمع بعضهم بين الروايتين بأنه رآه أولا في المنام فاستقرأه ثم رآه في اليقظة ، ولو وقع هذا في المنام لزال خوفه ورعبه ( ص ) بمجرد اليقظة ولم يذهب إلى خديجة يرجف فؤاده ( 5 ) الظاهر أن الامر بالقراءة أمر تكوين لا تكليف - أي كن قارئا ، ولذلك قال له في الثالثة اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ أين كن قارئا باسمه ومن قبله وباقداره إياك على القراءة لا بحولك وقوتك فهو يعلم أنك أمي لا يتعلق كسبك واستطاعتك بالقراءة أما وقد شاء ربك - الذي خلق ، خلق الانسان من علق ، وهو الحيوان المنوي أو أول ما تتحول اليه نطفة الزوجين بعد العلوق فجعله بشرا سويا يسمع ويبصر ويعقل - أن يجعلك قارئا لما يوحيه إليك لتقرأه على الناس فأنت تكون قارئا